سلفيت -نوى- رحمة خالد: أربعة عشر عاماً ضاعت منها وهي بعمر الزهور, ورسمت تجاعيد وجهها قبل الأوان وقضت عليها قوانين الحاكم بالعيش في كنفات مقصلة الجلاد ونوتات أغنيات طفولتها لم تكتمل وتحول غناؤها لحشرجة حتى تلاشى, وعيناها الخضراوان غشتهما دموع الأيام.
المواطنة هبة من محافظة نابلس تروي قصتها المريرة حيث لا تذكر من شريط ذكرياتها البالغ من العمر 32 عاماً سوى مقطع لا يتعدى الثلاث سنوات, فالأبيض يمر بسلام لكن الأسود نتوقف عنده لحظات ولحظات لأن تناقضات الحياة أكبر من أن نمر عليها مرور الكرام.
قضت ربيع عمرها في عش الموت وظلم الزوج وأهله وتطلقت بعد ثلاث سنوات من الزواج لتعيش في مهب الريح والصراع مع الأيام.
فتقول هبه وهي تلوح بناظريها في معالم المكان "تزوجت وأنا بعمر الرابعة عشر وذقت أشد ألوان العذاب من ضرب وإهانات ومعاملة سيئة وتطلقت بعد ذلك , لكنني نهضت بنفسي لأعمل في أحد المراكز والبيوت لأجلب قوت يومي وأساعد أهلي ".
فعائلة ميسورة قد احتضنتها لتعمل عندهم براتب شهري , وعزيمتها وإصرارها أبتا أن تأسرا نفسيهما في حكاية العذاب ومجذافاها أرادا لقاربها الإبحار حتى الميناء وتحدي أمواج البحر العاتية بعد أن كانت بين قاب قوسين أو أدنى من الموت.
فالإرادة ويد رحيمة ساعداها على تناسي آلام الثوب الأبيض أو كفن الموت على حد تعبيرها , فهذا هو حال هبة , والأخريات من لهن؟؟
فالزواج المبكر هو زواج زواج الفتاة دون سن الثامنة عشر من العمر باعتبار أن الطفل حسب تعريف الأمم المتحدة هو كل إنسان لم يتجاوز ال18 عاما.
لأجل دراهم معدودة وجور العادات والخوف من الإنجراف وراء ملذات الحياة وشهواتها ولأجل دراهم معدودة وسباق الثروات هي إحدى الأسباب التي تدفع الأهل لتزويج بناتهم.
فأم فواز التي زوجت ثماني من بناتها مبكراً تقول وإشارات الندم تشرق من وجهها تارة وتارة أخرى تبتسم في وجه الشمس لتعلم الشمس كيف يبتسم الليل في وضح النهار "الزواج المبكر ليس بجيد فقد حرمت بناتي من إتمام تعليمهن وهذا لم يؤثر بشكل إيجابي على حياتهن الزوجية وتربية الأولاد , ومن الأسباب التي دفعت بي لتزويج بناتي أن أزواجهن ميسوري الحال ومن عائلات يشكر السامع اسمها ونسبها وبناتي كثيرات أيضا وما شجعني أكثر أن الشاب الجيد لا يعوض " .
وأضافت بعد أن قلبت النظر في أماكن بيتها الخاوية على عروش ها وبعد أن تحسست جسد بيتها الذي ينبض بضحكاتهم "لاحظت جيداً الفرق في حياة بناتي الثماني اللواتي زوجتهن بسن مبكر وابنتي التاسعة التي تزوجت وهي في السنة الجامعية الثانية, فالأخيرة تحظى بثقافة عالية وفكر واع يساعدها على تجنب مشكلات الحياة والإعتماد على نفسها " .
وتابعت حديثها "أنا تزوجت بعمر ال15 لكن هناك فرق شاسع بين جيل زمان وجيل اليوم فقد كنا على قدر كبير من المسؤولية , أما اليوم فمعظم الفتيات لايملكن هماً سوى أي لون تلبس وأي وجه على وجهها ترسم وأين ستذهب فالانفتاح السلبي وقصص الحب هي ما تدفعنا لتزويج بناتنا ".
فلسان حال من جارت عليهن تقاليد الزمان يقول ما ذنبنا للعيش في سخط وشقاء لأجل دراهم الحياة وزينتها.
"تزوجت في سن الثالثة عشر لعائلة تمتلك عددا كبيرا من رؤوس الغنم وهذا ما شجع أهلي لتزويجي كي ينالهم منها نصيب وما شجعني على الزواج هو الهروب من زوجة أبي الظالمة , فقد كانت الحياة شاقة ومتعبة وعملت برعي الأغنام والزراعة وزادت همومي عندما أنجبت فأصبت بمشاكل صحية مبكراً " هذا ما قالته الحاجة أم محمد وهي تعد حبات مسبحتها وتذكر اسم الله في كل حبة وترتعش يداها كل حين فقد هدها الكبر وسرق المرض بسمتها.
ما لم يكن بالحسبان
ها هي ولاء تدرس في مقاعد الدراسة الخاصة مع من يكبرنها عمراً وزميلاتها يدرسن في مدرسة البلدة ويتقاسمن الفرح وحكايات الطفولة.
حيث تركت ولاء المدرسة وهي في الصف الثامن بعد أن تزوجت ,وأرادت العودة لها بعد خمس سنوات لأنها تطلقت من زوجها فرفضت المدرسة إعادتها.
وتذكر مديرة مدرسة البنات الثانوية لمدينة بديا حنان الأطرش "عندما تترك إحدى الطالبات مقاعد الدراسة لأي سبب كان وعلى الأغلب يكون الزواج, وتعود بعد فترة للمدرسة نقوم بإرجاعها للصف الذي خرجت منه " وتابعت تحول الطالبة للدراسة الخاصة في حال وصلت دفعتها للصف الثاني عشر وهذا قانون أقر من قبل وزارة التربية والتعليم.
وأشارت الأطرش أن المدرسة تقوم بعقد محاضرات توعوية ودورية لأولياء الأمور حول الوعي بمخاطر الزواج المبكر وآثاره.
وتضيف طالبة من جامعة النجاح ثناء رابي وهي تمسك كتبها الجامعية بكلا يديها والتي تنم على إصرارها لإكمال مشوارها التعليمي "لا أؤيد الزواج المبكر لأنه في كثير من الأحيان يكون عن عدم وعي مما يسبب مخاطر كثيرة ويحرم الفتاة من تعليمها ويفقدها طعم الحياة بسرعة ويقضي على طفولتها فقط لأنها تحلم بالفستان الأبيض وفرحة الزواج ."
ورأي آخر يضيف للحديث المرارة ونكهة من ظلم الأيام فعندما شاهدتها ظننت أنها تصل عمر ال27 عاما تقريباً ففوجئت بأنها لم تبلغ الثامنة عشر بعد !!
فلميس تقول وهي تجرع ابنها من زجاجة الصبر حليباً أبيضاً لتوقف بكائه " نفسيتي لم تعد كالسابق فالزواج مهلك ومتعب وخاصة أنني قد خرجت من إطار بلدي وأتحمل مسؤولية كبيرة تثقل كاهلي " حيث تزوجت لميس بعمر السادسة عشر عاما وتسكن الآن مع زوجها في مدينة الرملة بعيدأ بلدتها وأهلها.
وتعبر المواطنة ريم أبو لبدة من محافظة قلقيلية عن رأيها والتي تقضي نهار أيامها خلف مكتبها الصغير وبين الملفات في شركة الاتصالات الفلسطينية "حيث تقول لا أنصح بزواج الفتاة دون سن ال18 عاما لأنها لا تأخذ كافة حقوقها ,وتابعت لقد تزوجت بعد إنهاء دراستي الجامعية وأساعد زوجي بمصاريف الحياة لذلك من الأفضل أن تكون الفتاة واعية ومتعلمة كي تقاسم زوجها مشقات الحياة وصعابها ". وهذا ما يؤكده المثل الذي يقول "الرجل جنى والمرأة بناء " فكلاهما يتحمل مسؤولية لبناء أسرة سليمة .
بين النسبة والقوانين
تواجه مشكلة الزواج المبكر 30 % من سكان الضفة وغزة البالغ عددهم 3,2 مليون نسمة .(6,4% من السكان يمثلون الفئة العمرية 15-17 سنة و12,8% يمثلون الفئة العمرية 10-14 سنة)حسب التقرير السنوي للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
وقانون الأحوال المدنية في فلسطين المؤقت رقم 61 والمعدل عام 1977م جعل سن الزواج في الضفة الغربية 15 سنه هجرية للفتاة و16 سنة هجرية للفتى أما في غزة فقد اعتمد قانون رقم 303 الذي صدر في عام 1954 م وبناء عليه يحدد سن الزواج الأدنى 17 سنة هجرية للفتاة و18سنة هجرية للفتى ، ويُعطى القاضي عليه صلاحيات السماح بتزويج الفتاة لكن يمنع زواج الفتاة والفتى بتاتاً إذا كان عمرها يقل عن 9 سنوات، والفتى يقل عمره عن 12 سنة. أما إذا ما طلبت الفتاة التي يقل عمرها عن 17 سنة من القاضي تزويجها، فعلى القاضي أن يبلغ والدها، وفي حال موافقة الأب، يمكن عقد الزواج.
ويقول موظف في دائرة الأوقاف وهو إمام لمسجد الشيخ رمضان شتات "نحن ضد تأخير سن الزواج ولكن ليس على المطلق أي أنه من بلغت سن أل 16عاماً ميلادي وما يقابلهم بالقمري فلا مانع مالم يكن هناك محاذير مثل وجود مرض في الفتاة .أما التعليم فهو ليس مانع ويكون هنا التعليم الجامعي وليس الأساسي.
وأكمل شتات أن للتأخير في سن الزواج محاذير مثل الفساد الأخلاقي على كلا الجنسين وإتباع طرق محرمة لإشباع الرغبات والاحتياجات الجنسية .
وتصل نسبة الزواج المبكر في الضفة 34,9% مقابل 37,9% في قطاع غزة, والنسب تزداد يوماً بعد يوم ضاربين الأهل لعواقب ذلك عرض الحائط .
ذاكرة و جسد
في عالم الروايات يجذبك عنوان ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي إلا أنه في عالمنا يجذبك عنوان ذاكرة بلا جسد أو جسد بلا ذاكرة , فالعنوان الأول هو ذاكرة أرهق جسدها والآخر هو جسد أرهقت ذاكرته وهذا ما يحدث فعلاً مع ضحايا الزواج المبكر .
ففي عيادة للنساء تجلس فتاة على الكرسي لانتظار دورها ويشاركها الجلوس على الكرسي نفسه طفل في ثنايا رحمها ينتظر هو الآخر موعد قدومه للحياة , فتقول سناء التي بقيت تعد كم من الوقت يتبقى لدخولها عند الطبيبة "الزواج يشبه الدراسة تماما فإذا فضلت الدراسة أكملتها وأعرتها الاهتمام وإذا لم تفضلها تبقى كابوساً يلاحقك وكذلك الزواج فأنا لا أحبه مبكرا وعشته رغم ذلك لكن عقباته ظلت كابوساً يجتث راحة نومي شيئا فشيئا ويتوغل لذكرياتي الجميلة ويحطمها بمشاكله ".
وعلى الجهة المقابلة لسناء تنتظر إحدى السيدات وأطفالها الأربعة وزوجها, فهم ستة وسابعهم سيأتي بعد شهرين اثنين فهل يقلق الزوج لذلك الرقم في زمن التقشف ؟؟ وهل يغضب ؟؟
فيذكر موسى يحيى من بلدة مسحة والعينان حائرتان كعقله الذي يجوب بلاداً وعواصم بداخله وهو يفكر بطفله الخامس , فهل يقلق ويزيد ساعات عمله ليؤمن لقمة العيش والحياة الكريمة لخمسة أطفال أم سيفرش قلقه بجانب القول المشهور "كل ولد وتأتي رزقته معه".
"تزوجت من امرأتي وهي بعمر ال14 عاما وهذا جلب مشاكل فكرية بسبب المسافة العمرية بيننا , وعدد الأولاد يضطرني للعمل المكثف لتأمين حياة كريمة لهم وهذا كله على حساب صحتي , وأنا مقتنع تماما بأن الزواج المبكر ظاهرة سيئة أساساً لأن عدد الأولاد يزداد كلما كان السن صغيراً ".
وتقول أخصائية النساء نسرين مرجان "هناك مشاكل عديدة تصاحب الزواج المبكر وأخطرها أثناء الحمل والإنجاب فالأطفال يولدون بأحجام صغيرة وتكون الإجهاضات مبكرة ومتكررة وأكثر الفتيات اللواتي يتزوجن مبكراً لا ينجبن أطفالهن بولادة طبيعية ويرجع ذلك لعدم اكتمال نمو الحوض لديهن.
وتشير أنه على المدى البعيد تحتاج الفتاة لتنظيم الأسرة واستخدام موانع للحمل لأن الجسم بعد فترة يصبح غير قادر على تحمل الولادات والحمل المتكرر.
وتضيف مرجان "أن هناك جهل من قبل الفتيات فيلجأن للرضاعة الصناعية وبالإضافة لعدم القدرة على تربية الأطفال تربية سليمة فيكون ملاذهن الوحيد اللجوء لأمهاتهن ".
"كوني أكبر تستمر العلاقة أكثر" ...."الزواج مبكراً داء يدمر صحتك "هذه عبارات كتبت في بروشورات توزع مجانا داخل عيادة الأخصائية نسرين مرجان , فقالت نقوم بحملات لتوعية الأهل والبنات حول مخاطر الزواج وتوزع الحملات على المدارس والمراكز الصحية والاجتماعات النسوية بالإضافة لتوزيع البروشورات.
فالولادة والزواج والموت هي ثلاث محطات في حياة الإنسان لكن فقط في الزواج يمكن حق الاختيار.
لكن تصل نسبة الأهل الذين يقررون الزواج عن بناتهم 50,4% حسب ما أفادته الدراسات , فيجدر بالأهل التفكير ملياً قبل قراءة الفاتحة لبناتهم والتي لربما تكون فاتحة الموت والثوب الأبيض هو الطريق المؤدي بهن لحافة الهاوية.
























