رام الله – (خاص) نوى – نهيل أبو غيث: اختاروا إقامة مرسمهم في ذاك المكان ذو الممرات الضيقة والبيوت المتلاصقة، حيث لا رواية إلا وكانت أجزاء من فصولها اقتبست من معاناة وارادة الذين رفضوا الضيق والقمع، فقرر ساكنو مخيم الأمعري تقبل كل جديد كي لا يرتبط المخيم بالتقاعس ولا أمل.
فثارت (مجموعة ع الحيط) على فكرة الرسم على جدار الفصل الذي فصل المدن الفلسطينية عن عاصمتها القدس، فلا مجال لتجميل القبيح الذي غير خارطة الحياة الفلسطينية وشتت عائلاتها، هذه كانت رؤيتهم، لذلك رفضوا سكب الألوان ورسم الأشكال عليه، كما فعل الكثير من الفنانين الأجانب، واستبدلوها بالرسم على الجدران في المخيمات والقرى المهشمة ليبثوا الأمل ولمحة فرح وابتسامة تحمل بعض الرضا في قلوب ساكنيه.
انطلقت عام 2010 مبادرة شبابيّة أطلقت على نفسها اسم (مجموعة ع الحيط)، ضمت 22 طالبا وخريجي فنون، من مختلف المؤسسات التعليمية في فلسطين: الأكاديمية الدولية للفنون وجامعة النجاح ومنتدى الفنانين الصغار وجامعة القدس.
خاطبوا النوادي والبلديات والمؤسسات التعليمية، ليشاركوا في تجميل الأمكنة بالرسم الجرافيتي، وهو الرسم التعبيري عن قضية ما على الجدران.
لم يواجهوا أي صد أو رفض، وإنما اكتشفوا أن المجتمع المحلي لديه نهب للثقافة البصرية، فأحب الفكرة وشجعها، وتقبل وجود مجموعة من الشباب والفتيات يرسمون على الجدران في الشارع، بعد أن ارتبطت الفكرة بالفنانين الأجانب ولم يكن هنالك فلسطينيون يطبقونها.
وبعد العديد من الأنشطة قرروا إنشاء مكان يجمعهم، مرسما يطورون به قدراتهم، وينفذون أفكارهم ويعرضون أعمالهم الفنية، فكان المخيم عنوانهم.
متى اختاروا المخيم ولماذا؟
يقول الفنان علاء البابا منسق مجموعة (ع الحيط) لـ "شبكة نوى": منذ ثمانية شهور اخترنا هذا المكان ليكون مرسمنا، في قلب مخيم الأمعري لحاجته للفن والرسم ولحاجة أطفاله لتطوير قدراتهم.
ويضيف البابا لـ "نوى"، نفذنا بالمرسم العديد من النشاطات والدورات بشكل مرحلي، وكان للأطفال جزءا كبيرا من اهتمامنا ورعايتنا، فعقدنا لهم لقاءات لتعليم اللغات بأسلوب جديد، وكانت إحداها اللغة الفرنسية، أي بحب شخصي من قِبلهم، وليس بفرض كمنهاج مدرسي، يتعلمون المصطلحات التي يحبون معرفتها ويرسمون الكلمات بحروف اللغة التي تعلموها. بالإضافة لعقد دورة في المسرح مع المخرج والممثل مصري عبد السميع عبد الله من خلال مبادرة (براي جواي) لصابرين عبد الرحمن، حيث كانت لتجربة المسرح صدى إيجابيا كبيرا على نفوس الأطفال وسلوكهم، وعقدنا ورشة في الخط العربي بتنفيذ الأستاذ ساهر الكعبي مدرس في جامعة القدس، والذي تعلم الخط العربي في العراق.
ويوضح، وكان لإعادة تصنيع الخشب نصيب لدينا، إذ قمنا بإعادة الخشب الغير صالح للاستعمال بطريقة فنية لأدوات نستفيد منها، وذلك بتمويل من مشروع الشراكة من أجل التنمية لشراكتنا معهم في حملة مقاطعة المنتجات الإسرائيلية.
ويؤكد البابا، مبادرتنا ليست فقط للرسم وإنما لكل أشكال الفن المجتمعي بشكل عام؛ كالمخيمات الصيفية والمسرح وغيرها، فمفهوم الفن في صراعنا كفلسطينيين من الأمور الترفيهية في ظل الضغوطات السياسية والاجتماعية.
وعن تجربتها كعضوة في مجموعة (ع الحيط)، تقول الفنانة هبة البغدادي لـ "نوى": لم تكن بدايتنا وعلاقتنا عادية، لأننا أسرة واحدة تسعى لهدف واحد، أنا الكل والكل أنا، وكان لهذه التجربة الكثير من الإضافات لي، كالاطلاع وزيارة لقرى المهمشة في فلسطين لم أزرها قبلا، بالإضافة إلى أنها خلقت لدي القدرة على التواصل مع الناس بشكل أكبر ومباشر من خلال الرسم على الجدران في الشارع، أيضا تعزيز فكرة انتمائي للمجتمع الفلسطيني، إذ أنه مجتمع استطاع أن يحتوي فكرة وجود المرأة المتحررة التي تستطيع أن تقدم فنا في الشارع الفلسطيني يتحدث عن المعاناة الفلسطينية، كما أن عملنا ساعد على إيصال فكرة التعاونية الشبابية التي تحمل افرادا؛ إناثا وذكورا على العمل المشترك، من خلال مجموعة (ع الحيط) شاركت في معارض عدة؛ في رام الله ومسابقة دولية في بلجيكا- بروكسل.
وأضافت بغدادي، الشيء الذي حققته للمجموعة شيء مشترك، فنجاحنا جماعي وهذا يدل على روح المشاركة بأنها جماعية وليست فردية.
رغم صعوبة المكان وعدم توفير الأمان إلا أنهم نفذوا مخيمهم الصيفي:
مخيم للأطفال في رمضان، فكرة نالتها الصعوبات من كل مكان عندما تم طرحها، فلا مساحة واسعة مناسبة ولا أمان للأطفال، ولكنهم أصروا أن يكملوا مسيرتهم، ويروحوا عن الأطفال في عطلتهم وشهر رمضان، فوجدوا مساحة بالمخيم، وبجهودهم نظفوها جيدا وأزالوا كل ضار فيها، وأحضروا الخيام ونصبوها، فتوافد الأطفال عليهم يعلنون انتسابهم.
وفي هذا الشأن يخبرنا علاء البابا: كان رائعا جدا بالرغم من الصعوبات التي كانت ستودي بنا إلى الإقلاع عن الفكرة، ولكن إصرارنا ومحو المستحيل من قاموس مبادرتنا قررنا الاستمرار، واختتمنا المخيم بعد الشهر الفضيل برحلة في أريحا، سيرا على الأقدام مع مسار مائي، من بداية (عين الفوار) ولغاية (وادي القلط).
ويضيف البابا، الأطفال في مخيم الأمعري، ليسوا عاديين كالآخرين ولديهم قدرات وطاقات عالية بالرغم من صعوبة المكان الذي يعيشون فيه، يدركون من خلال ذكائهم العاطفي المرتفع متى تكون مساعدتهم من باب العطف فيرفضونها ومتى تكون من باب إبراز قدراتهم وتنميتها فيتعاونون معك، وأستطيع كـ علاء إدراك ذلك جيدا إذ أنني ابن المخيم وترعرعت فيه.
لماذا لم تلجأ مجموعة (ع الحيط) لتسجيل نفسها كمؤسسة والحصول على ترخيص:
يوضح البابا، "كل مبادرة تنطلق من مدى احتياجنا، لذلك نحاول أن يكون لنا ثقافة بديلة عن المؤسسات، لتبقى مبادرة ذات مساحة مفتوحة بعيدة عن أي شيء بيروقراطي بالتعامل وبعيدا عن نظام التمويل الموجود في المجتمع، ونقوم بتغطية الاحتياجات المادية من خلال عملنا".
بداية موفقة وقصة غيرت واقعا:
يذكر البابا قصة حدثت مع المجموعة في بداية عملها، يسردها لـ "نوى" قائلا: اتفقنا مع إحدى المؤسسات لذوي الإعاقة بالرسم على الجدارن، وعندما ذهبنا لمعاينة المكان وجدنا الكثير من أكوام التراب ومخلفات صناعية، وعندما خاطبنا مدير المؤسسة أخبرنا، بأن صاحب البيت يرفض إزالتها ويعتبر أنه علينا نحن أن نزيله في كل مرة بعد أن يقوموا بتراكمه، ويكمل البابا لـ نوى: ما إن بدأنا الرسم وإذ (بجرافة) جاءت وأزالت المخلفات، فكان ردة فعل المدير أن قال للمجموعة: خاطبناهم مرارا وتكرارا ولكنهم رفضوا الإصغاء، أما أنتم لم تخاطبوهم قولا وإنما بمجرد بدئكم الرسم على الجدران جملتم المكان فشعروا أنه يستحق ويجب أن يكون جميلا بمختلف النواحي.
مشاريع نالت الموافقة وتم تنفيذها:
مجموعة (ع الحيط) تعمل بشكل تطوعي، وقدمت لكثير من المشاريع وحصلت على الموافقة والتنفيذ، من ضمنها؛منحة من مؤسسة نسيج والتي رسموا من خلالها في 18 موقع بالضفة، ومشروع مركز تطوير وإقراض البلديات في جنوب بيت لحم للرسم على جدران القرى.
كم وصل عدد المجموعة حتى الآن:
تجاوز العدد الخمسين إذ لم يشتمل فقط على الرسامين وإنما أيضا المبادرات الشبابية الأخرى، بالتنسيق معها للعمل كوحدة واحدة داخل مساحة المرسم الصغيرة وأيضا للعمل خارجه في تحقيق أهداف المبادرة لصالح للمجتمع.
مجموعة (ع الحيط) إلى أين:
يشير علاء البابا إلى أن عملهم كمتطوعين هو بشكل مؤقت إذ أنهم في مرحلة الدراسة ولكن ما بعدها هنالك مستلزمات ملحة لكل فرد، وبالتالي لن يستطيعوا التفرغ الكامل لها والعمل بالطاقة كما الآن، لذا يأمل أن يكون هنالك من هم من جيله أو الأجيال القادمة لتبني الفكرة والاستمرار في مسيرة عمل المجموعة وتطويرها وجعلها ظاهرة منتشرة في المجتمع.
ويختم البابا الحديث بقوله: "أتمنى أن يكون هنالك المزيد من المبادرات التي من شأنها تقوية بنيان المجتمع الفلسطيني ومساعدة أفراده، وهنالك الكثير من المبادرات الرائدة في البلد".
























