شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 14 اكتوبر 2026م20:48 بتوقيت القدس

درس في العنصرية والخدع الإحصائية

04 سبتمبر 2013 - 14:50
د. أحمد جميل عزم
شبكة نوى، فلسطينيات:

قدّر المكتب الإسرائيلي المركزي للإحصاء "عدد السكّان بنحو 8.1 مليون نسمة".
يعتمد علم الإحصاء على الأرقام، ما يوحي أنّه يتصف بالدقة والتحديد. ولكن المعروف أنّه يمكن التلاعب كثيراً بالتعريفات، وطريقة صياغة الأسئلة، لتؤدي إلى النتائج المطلوبة. والإحصاء طريقة معروفة في صناعة وتصنيع الهوية القومية؛ إذ بمجرد أن تحصي أهالي بلد معين، فإنك ضمنيا تؤكد أنهم جميعا يتسمون بسمة محددة، وهم مواطنون في بلد بعينه. ولكن هذا الإحصاء قد يُعلي أو يطمس الهويات الفرعية؛ هل يتعامل مع المواطنين على أنّهم شيء واحد، أم يقسمهم دينيا وطائفيا وعرقياً؟
إحصاءات فلسطين من أكثر الإحصاءات التي سُيّست عبر التاريخ. في إحدى المرات، كنتُ أقابل مسؤولا وباحثا فلسطينيا معروفا؛ توقف أثناء الحديث، وقال لي: أتمنى أن تبحث مدى صدق مقولة أنّ اليهود كانوا يشكلون أغلبية في القدس، بدايات القرن العشرين، زمن الانتداب. وكانت نتيجة البحث الأوليّة أنّ خريطة القدس رُسمت زمن الانتداب بعقلية شبيهة بالعقلية الصهيونية بعد العام 1967؛ إذ رُسمت الخريطة زمن الانتداب لتتوسع في المناطق التي تركزَ فيها بناء اليهود، غرب المدينة. وفي العام 1967، رُسمت لتضم أكبر قدر من الأرض الفارغة، تمهيداً لملئها باليهود، مع ضم أقل قدر من العرب داخل الخريطة.
يتحدث تقرير الإحصاء الإسرائيلي الأخير عن 8.1 مليون نسمة في فلسطين المحتلة العام 1948. منهم 6.066 مليون يهودي، أي 75.1 %، بينما يشكّل العرب 20.7 %، أي 1.67 مليون نسمة، و4.2 % آخرون.
كل شيء تقدمه المصادر الإسرائيلية عن التركيبة الديموغرافية يثير، كالعادة، أسئلة أكثر من الإجابات، ويدفع إلى البحث عن "الخدع الإحصائية".
من غير المتخيل أنّ لا يكون المستوطنون خارج حسابات مكتب الإحصاء الإسرائيلي، وهؤلاء يعيشون في الأراضي المحتلة العام 1967. ويقترب عدد المستوطنين من 600 ألف شخص، بينما يتم إهمال 4.4 مليون فلسطيني في الأراضي نفسها، منهم 2.72 مليون نسمة فيما يعرف باسم الضفة الغربية (وفي غزة 1.7 مليون نسمة). ولكن هكذا تخضع الأرض الواحدة للإحصاء انتقائياً.
وتخفي عملية عدم التنويه للمستوطنات الإسرائيلية أمرا آخر. فنسبة النمو في الأشهر الستة الأولى من هذا العام، كما أشارت مصادر إسرائيلية أخرى، هي 2.1 %، أي إنّ النسبة طوال العام إذا ما كانت على المنوال ذاته، تتعدى 4.2 %. وإذا قارنا هذه النسبة بمجمل نسبة النمو الإسرائيلية، بما فيها العربية، البالغة 1.8 %، فهذا يعني أنّ نسبة نمو اليهود في الأراضي المحتلة العام 1948 لا تتعدى في أحسن الأحوال 1.3 %، بمن في ذلك المهاجرون الجدد؛ أي إن نسبة نمو أعداد المستوطنين في الضفة الغربية أكثر من ثلاثة أضعاف نمو أعداد اليهود في أراضي 1948، وهذا ينسف مقولة النمو الطبيعي في المستوطنات.
أهم ما في هذه الخدع الإحصائية–الجغرافية، عنصريّتها.
ربما يكون ما يزال متداولا عالميا إجراء إحصاءات توضح عدد أتباع كل دين في الدول المختلفة، رغم أنّ هذا يصطدم أحياناً مع فكرة الحقوق المتساوية للمواطنة. إلا أنّ التاريخ والإنسانية لم يصلا بعد حد اعتبار المواطن مواطنا رغم كل شيء، واعتبار معتقده الديني لا يحتاج رصدا وإحصاء. على أنّ ما يحدث في الحالة الإسرائيلية هو التلاعب بالجغرافيا والديموغرافيا لصالح فكرة نقاء عرقي ديني.
ولا تتوقف العنصرية عند عملية الإحصاء، بل تصل حدّ "الهندسة الاجتماعية الديموغرافية" التي هي من سمات النازية والفاشية؛ إذ تريد أن تتحكم بالمجتمع وتشكيله بتقليص فعلي للبعض وزيادة البعض الآخر. وهذا لا يتوقف في الحالة الإسرائيلية على العرب، بل ويمتد إلى اليهود أنفسهم. فقبل أيام فقط، أعلنت الحكومة الإسرائيلية احتفالها بالانتهاء من استقدام المهاجرين الأثيوبيين (الفلاشا)، وأنّه لم يبق منهم أحد لم يهاجر. والحقيقة أنّ هذا الاحتفال يخفي حقيقة عدم رغبة الاسرائيليين في استكمال هجرة هؤلاء. ولهذا، قام مئات منهم بالتظاهر أمام مقر رئيس الحكومة يحملون صور أقاربهم الذين لم يهاجروا بعد. الأمر لا يقف عند هذا، وقد كتبتُ مطلع العام عن فضيحة حقن الأثيوبيات في عيادات إسرائيلية حكومية بعقار لمنع الحمل بدون علمهن، بهدف تقليص عددهم بالطبع.

كاريكاتـــــير