أيام قليلة وربما ساعات تفصلنا عن تحول دراماتيكي خطير في سياق تطور الصراع الداخلي في سورية. وبالرغم من أن الصراع منذ اندلاعه قبل أكثر من سنتين، لم يكن محضا داخليا، إلا أن أشكال ووسائل التدخل الخارجي، ظلت حبيسة المخططات الأميركية والغربية التي عملت على إطالة أمد الصراع، ومده بكل أسباب الاستمرار، حتى يتسنى تحطيم كل أطرافه، وتحطيم مقومات الدولة السورية، بما يضمن ضعف وهشاشة أي نظام قادم وارتهانه للمصالح الأميركية، فضلاً عن ضمان أمن إسرائيل لعقود طويلة من الزمن.
السيناريو يتكرر، فحين تعجز القوى الداخلية عن تغيير الأنظمة الاستبدادية، تتدخل القوى الخارجية، لفرض عملية التغيير بالقوة الطاغية. هذا ما وقع في العراق، وفي ليبيا، والآن في سورية. ففي ضوء الدعم الذي يلقاه النظام السوري، من قبل روسيا والصين، وإيران وحزب الله، فإن الولايات المتحدة، اعتمدت معياراً للتدخل، وهو استخدام أسلحة كيماوية ستلصق تهمة استخدامه بالنظام في كل الحالات.
حتى اللحظة، لم يجر تحقيق دولي نزيه وجدي، في واقعة استخدام أسلحة كيماوية مؤخراً، أدت إلى سقوط نحو ألف وخمسمائة مدني، لكن جون كيري، وزير الخارجية الأميركي، يتحدث عن وجود أدلة دامغة، على أن النظام هو من ارتكب هذه الجريمة ضد الإنسانية.
ربما اعتمدت الولايات المتحدة في توجيهها هذا الاتهام للنظام السوري، على معلوماتها الاستخباراتية الخاصة، وربما أرادت تزوير الحقائق كما فعلت في العراق، حين زورت تقارير لجنة تحقيق المفتشين الدوليين، وادعت أن النظام يملك أسلحة دمار شامل، لم يتأكد وجودها بعد غزو العراق.
إن كان هذا الأمر، قد دخل في حقل اليقين الأميركي، فإنه كان على النظام أن يسمح ويتعاون مع المفتشين الدوليين الموجودين في دمشق، وهو ما نصحت روسيا به حليفها النظام السوري، لكنه لم يفعل، ربما لأن النظام يعرف أن ذلك لن يغير من حقيقة التوجهات الأميركية نحو التدخل العسكري.
في الواقع، فإن اجتماع القادة العسكريين من عشر دول، بينها دول عربية، في الأردن، يعني بأن ثمة سباقا مع الوقت، نحو القيام بعمل عسكري ضخم ضد النظام السوري، من شأنه أن يعدل وربما يقلب موازين القوى الداخلية، التي تميل الآن على نحو واضح لصالح النظام، وليس لصالح المعارضة المسلحة.
صحيفة الديلي ميل البريطانية، نشرت تقريراً في عددها الصادر منذ يومين، تحدثت خلاله عن استعدادات أميركية وبريطانية جديدة بهذا الخصوص، وضمنته ثلاثة سيناريوهات محتملة لبنك الأهداف التي يسعى التحالف الجديد لضربها.
الولايات المتحدة أعلنت أنها بصدد اتخاذ قرار لتحديد حجم الضربة، التي تدعي أميركا أنها لن تكون بحجم وهدف إسقاط النظام، وذلك لتحجيم ردود الفعل الروسية والإيرانية. ومع الإقرار بأن استخدام الأسلحة الكيماوية المحرمة دولياً ضد المدنيين سواء في الحروب الداخلية، أو الحروب بين دول، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها لم تأخذهم الحمية، حين استخدمت إسرائيل مرات عديدة مثل هذه الأسلحة المحرمة دولياً ضد الشعب الفلسطيني، وذلك بالرغم من تقارير اللجان الدولية، وليس آخرها تقرير لجنة غولدستون لحقوق الإنسان.
فضلاً عن ذلك، فإن الولايات المتحدة تقدم نفسها مرةً أخرى، كمدافعة عن حقوق الإنسان، فتتجاوز التفويض الدولي المطلوب من مؤسسات الأمم المتحدة، لأنها لن تحصل عليه، وتواصل ممارساتها الاستفزازية، الأمر الذي ينطوي على سيادة منطق الغاب، ويضعف المؤسسة الدولية، ويعرض الأمن والسلم الدوليين للخطر، وبالمناسبة فإن قدرة الولايات المتحدة على حشد التحالفات الدولية والإقليمية، لمشاركتها سواء في اتخاذ قرارات الحرب، أو ممارساتها، هذه القدرة تراجعت، فإذا كانت قد حشدت تحالفاً ثلاثينياً في مواجهة العراق مطلع التسعينيات من القرن الماضي، فهي اليوم لم تنجح في حشد إلا ثلث ذلك الرقم.
وبالإضافة إلى ذلك فإنها، أي الولايات المتحدة، لم تحصل على تفويض من الجامعة العربية، ولم تطلب لأنها تدرك أيضاً أنها لن تحصل عليه، خصوصاً بعد التغيرات التي جرت في مصر وحولها. الضربة العسكرية المحتملة وفقاً لصحيفة الديلي ميل، قد تستهدف مطارات عسكرية، ودفاعات جوية، ومخابئ تخزين الأسلحة الكيماوية وقد تذهب إلى حد ضرب البنية التحتية للجيش السوري، وبعض المنشآت الحكومية الهامة.
هذا يعني أن الضربة لن تكون محدودة، فمثل هذا الطيف الواسع من الأهداف، يعني أن كل شيء سيكون معرضاً للقصف. اللافت للنظر أن الولايات المتحدة تحرص على أن لا يكون لإسرائيل دور مباشر، أو غير مباشر، فيما تؤكد تل أبيب، أنها ستنأى بنفسها عن التدخل في الأزمة السورية، لكن السؤال هو هل يمكن لعقل أن يصدق مثل هذه الادعاءات؟ وهل ستأخذ الولايات المتحدة وحلفاؤها بعين الاعتبار النتائج التي ستترتب على قيامها بعمل جرى ضد النظام السوري، وإذا كان من غير المحتمل أن يتخذ النظام السوري، إجراءات عسكرية فعالة في مواجهة الدول المتحالفة وسيعمد كما العادة، إلى القول إنه سيرد في الزمان والمكان المناسبين، فهل سيتوقف حلفاء النظام الدوليون والإقليميون عند حدود الشجب والاستنكار؟
بغض النظر عن الموقف الذي سيتخذه النظام، فإن التدخل العسكري الأجنبي المحتمل، من شأنه أن يقلب الطاولة في الشرق الأوسط، من حيث أنه لا يستهدف فقط تغيير المعادلات الداخلية في سورية، وإنما أيضاً لأنه ينطوي على رسائل قوية، أولها وأهمها موجهة لمصر، التي لا تزال الولايات المتحدة وحلفاؤها الدوليون والإقليميون، وأهمهم تركيا، ينظرون إلى التغيير الجاري فيها (مصر) على أنه يمس ويهدد مصالح ومخططات تلك الدول بشأن المنطقة.
من الواضح أن التدخل العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة على النظام في سورية، من شأنه أن يدفع المنطقة بأسرها نحو اضطراب كبير، يتجاوز حدود سورية، إلى الإقليم بأسره، في محاولة لإعادة خلط الأوراق، وإشاعة فوضى عارمة، ربما كان من أهدافها، تعديل مسار المخططات الأميركية المرسومة للمنطقة بعد الاختراق الاستراتيجي الكبير الذي حققته مصر، ويهدد بالإطاحة بكل تلك المخططات.
























