غزة - إسلام البربار
غزة الكلمة الصغيرة لا تتعدي بحروفها الثلاث، والتي تحمل بطياتها جملة من المآسي، لمعاناة ساكنيها من الحصار والإغلاق، خاصة النساء منهن، وما يواجهنه من ويلات لفقد الغالي والنفيس، ورغم تلك المعاناة التي تجفل لها العيون، إلا أبت النساء الأجنبيات اللواتي قررن العيش بغزة ، للوقوف بجانب أزواجهن لكي يتقاسمن الصعوبات.
ويمكنا هنا قراءة هذه الرقعة وفق الأجندة المطروحة عن حياة الأجنبيات في غزة، لنضع بصمتنا على واقعهن الحقيقي، وحياتهن، وقياس مدي علاقتهن وترابطهن بالمجتمع الغزي، " شبكة فلسطين الاخبارية PNN جالت حياة الأجنبيات بين أحياء وأزقة غزة الضيقة فلتقينا مع مجموعة منهن " سوزانا، ولوتسوا ، وليدا، ليروي لنا رويداً رويداً، تفاصيل حاكياهم.
صعوبة اللغة
سوزانا العشي ( 45 عاماً ) والتي حضرت من كرواتيا في العام 1975، فالآن لديها خمسة من الأبناء، قالت " في بادئ الأمر كنت خائفة من العيش بمدينة بسيطة أهم ما يميزها شوارعها الضيقة، وسكنت مخيم الشاطئ، حيث المنازل القديمة المتلاصقة وقتئذ شعرت بألوان الحياة قاتمة في عيني ومع مرور بعض الوقت أصبحت جزءاً من المجتمع الغزي، ومواطنة فلسطينية بحق ."
تابعت العشي "واجهت العديد من الصعوبات, لم أكن اعرف التعامل مع الناس لا افهم عليهم ولا يفهمونني، بما في ذلك لا أتقن اللغة العربية، فعدت إلي بلدي بعد عام لعدم قدرتي علي العيش بغزة، ورجعت مرة أخري، وبقيت حتى يومنا هذا ."
" استرسلت العشي في حكايتها بنظرة السعادة لما تشعر به وهي تقطن في غزة قائلة " الآن عندما أسافر لزيارة عائلتي أشعر وكأنني أجنبية في بلدي، وسرعان ما أعود مشتاقة لغزة، فتعلمت الصبر من المرأة الفلسطينية بمعيشتها الصعبة، لم أكن هكذا من قبل وليس لدي القدرة علي ذلك ولكن رأيت نساء غزة يتحملن عذاب الحياة رغم هذا تصبر وتجمل الحياة بعين أطفالها وزوجها".
العزيمة والإصرار
ليدا هي واحدة من تلك النسوة اللواتي فكروا ملياً بأنه ليس فقط علي المرأة أن تكون في البيت بل أيضا يمكنها منح الحياة بلون أخر خارجه، هكذا تعلمت ليدا من المرأة الفلسطينية في غزة ،علي حد قولها.
ليدا فلاديمير صلاح تبلغ من العمر( 35 عاماً)، ولديها ثلاث أبناء، جاءت من روسيا في عام 1996" ترجع بذاكرتها عند مجيئها إلي غزة معبرة لنا "عانيت الأمرين في البداية كوني لا أعي كيفية التعامل الحقيقي مع المجتمع الغزي، والفروقات الثقافية والديانة والعادات والتقاليد ساعدني زوجي كثيرا، ومضيت مدة ليست ببسيطة إلي أن اندمجت بالمجتمع واستفدت من الصديقات الأكثر قدمًا مني في البلاد حيث يقومون باحتواء بعضهم البعض ومساعدة القادمات من الأجنبيات للعمل والقدرة على الاستقرار، فإن الواقع الذي قدمت إليه جعلني أتمتع بنفسية لا تكل ولا تمل من الاستمرار مع الناس في غزة فهم يتمتعون بطيبة القلب مما شجعنني علي البقاء بها".
مع اندفاع الكلمات التي أناسبت بسرعة من" لتسوا " لحياتها التي دامت أكثر من عشرون عام علي عيشها في غزة، فهي شاركت الغزيين بكل تقاسيمهم المعذبة لأوجه حياتهم" حرب، وحصار ودمار.
هذا وفي السياق ذاته حدثتنا " لتسوا "(أربعينية العمر)، رومانية الأصل، وهي أم لثلاثة أبناء وواحدة من الأجنبيات اللواتي جئن لغزة ، حيث أفادت " د " أن قدومها إلي غزة 1991 قد اعتنقت الديانة الإسلامية، مما شعرت بسهولة بتعاملها مع المجتمع الغزي، بكل تأكيد يوجد فرق بين غزة وبلدي من في العادات والتقاليد شيء طبيعي, عانيت من ذلك في البداية ولكن زوجي وعائلته كونها متحضرة فكريا وثقافياً لم أجد الكم الهائل من تلك الصعوبات، فهم قاموا بتعلمي اللغة العربية، وما زاد تعلمي وخوضي بين ثنايا الناس في غزة هو عملي كوافير، وحرصت دائما أن اسمع أكثر كي احدث بحياتي المشاكل، وحصرت علي تربية أبنائي مثل أبناء غزة لأنهم يعيشون بغزة وليس في بلد أخر، والآن وبعد هذه الأعوام الطوال لا يمكنني البعد عن غزة وعن أناسها وشوارعها وكافة جوانب حياتها، لأنها بلد زوجي وأبنائي يحملون الجنسية الفلسطينية وهذا يسعدني ".
الأنثربولوجية
ولأهل الاختصاص وقفة هنا " عطا أبو ناموس أخصائي اجتماعي" كيف تري اندماج المرأة الأجنبية في المجتمع الغزي علي وجه الخصوص قائلاً "نعلم أن لكل مجتمع ثقافته وعاداته وتقاليده التي تميزه عن غيره من المجتمعات والثقافة بمعناها الانثروبولوجي فالإنسان يولد في ظل هذه الثقافة ويكبر وهو بداخلها ويتعود على كل شيء فيها حتى تصبح سمة من سمات شخصيته."
ويضيف" أبو ناموس "وهنا تجد صعوبة التأقلم على الحياة والثقافة الجديدة فالمرأة الأجنبية التي تتزوج من عربي تجد أن هناك اختلاف كامل في الثقافات ولكن ما يجعل تلك النسوة من الأجنبيات التأقلم والرضية لأنها تحب زوجها وإلا عادت إلي موطنها.
هوية الزوج
ولكن للأخصائية النفسية إيناس الخطيب لها رأي آخر أيضا فيما ما يمكن أن يؤثر الرحيل من وطن والعيش بوطن أخر لا يمكن التقاسم بينهم شيء بشتي المجالات، وما طرحته الخطيب قالت " إن زواج أجنبيات وعيشهن في غزة يمكن أن يكون عليهن أو الإيجاب ويتكلل حياتهن بالتميز إذا وجد التفاهم، وأن الزواج من أجنبية يحتاج إلى تضحية كبيرة جدا من الطرف الآخر"الزوجة"للذوبان في هوية زوجها والموافقة على الإقامة معه وتقبل عاداته وتقاليده في المستقبل ، وهذا هو أساس ديمومة الزواج بشكل عام".
وتذكر الخطيب "وسلبياته تناقضات العادات والتقاليد والنظام الاجتماعي من جهة واختلاف واختلال هذا الزواج لأي سبب من هذه الأسباب سيدخل الزوج والزوجة والأطفال في دوامة ودهاليز الأنظمة المختلفة وخاصة قوانين العمل والإرث والجنسية والتعليم والإقامة والتأمينات الاجتماعية، ومعاملة الزوجة للزوج وخاصة انه سيطالبها بنفس المعاملة التي تعامل بها المرأة الفلسطينية زوجها ."
واحدة من نتائج العظيمة التي تحققت للمرأة أجنبية الجنسية فلسطينية الإقامة، أنها أنجبت أبناء لهذا الوطن.
PNN
























