حين أضاء ستة وعشرون قمراً سماءنا، لم اتوقع أن يحدث الافراج عن الستة والعشرين أسيراً هذا التجاذب ليضيف لانقساماتنا حجراً وتوقف لأن المستنقع الذي تغرق فيه مصر أنقذنا!
لا يختلف اثنان أننا نفرح بحرية أي أسير خرج من سجنه ولو دقيقة واحدة قبل موعد الإفراج الرسمي الذي يقرره السجان، جميعنا ندرك أن يوم السجن يماثل عاماً كاملاً خارجه، لذا وحين ننتقد "الصفقة" فنحن لا ننتقد الأسرى الذين هم أكرم منا جميعاً، وحين نطالب بتفسير ومعلومات حولها، نحن فقط نسأل عن الثمن الذي سندفعه جميعاً ليضاف للثمن الذي دفعه أسرانا مسبقاً ولا زالوا يدفعون.
لماذا كان مشروعاً أن نسأل ونسائل حركة حماس حول صفقة "وفاء الأحرار" وهل كانت تستحق الثمن الذي دفعناه جميعاً ودفعه مضاعفاً أهلنا في قطاع غزة؟ لماذا لا يحتمل فريق "المصفقين للمقاطعة" أن نسأل الفريق المفاوض وعلى رأسه الرئيس-المسؤول الأول عن هذا الملف- هل تستحق هذه الصفقة الثمن الذي سندفعه لاحقاً؟
لماذا كان مقبولاً القول أن مشعل قد أخطأ، ونٌتَهَم بالكفر إن قلنا الرئيس قد أخطأ. نعم أخطأ وخطؤه مضاعف عن أي خطأ يرتكبه رئيس فصيل، لأن الرئيس عدا عن كونه قائد فصيل فهو رئيس هيئات سيادية ولو شكلاً تبدأ باللجنة التنفيذية ل م.ت.ف ولا تنتهي بقيادة الجيش (الأجهزة الأمنية والمسلحة).
أخطأ الرئيس لأن قطار الافراج عن الأسرى المعتقلين قبل توقيع أوسلو قد تأخر عشرين عاماً بدأت حين وقع اتفاق أوسلو دون اشتراط الإفراج عن الأسرى (وهو الإجراء المتعارف عليه في أي اتفاقيات سلام ويسبق أي خطوة أخرى)
أخطأ الرئيس حين طلع شجرة وقف الاستيطان ليسقط عنها لاحقاً تارك الناس خلفه معلقين بين السماء والطارق!
أخطأ الرئيس حين ذهب إلى المفاوضات دون إجماع-على الأقل بتوافق شركائه في اللجنة التنفيذية-هو يدرك أن الغالبية الفلسطينية ليست ضد المفاوضات بشكل مبدئي، بل ضد هذه المفاوضات التي تمتلك فيها إسرائيل اليد العليا لفرض شروطها وتغيير الواقع على الأرض بأفعى استيطانها، وطرد المقدسيين، وحرمان العائلات من لم شملها، وسرقتها للمياه، وتحكمها في الحدود، ومحاصرتها قطاع غزة وأهله، واستمرار حملات الاعتقالات والإرهاب لأهلنا في قراهم ومدنهم ومخيماتهم.. والقائمة تطول.
أخطا الرئيس بتكليف ذات الفريق الذي فاوض لعشرين عام وفشل، أخطأ الرئيس وهو يصر أن لا يغير خيولا تعتقد أن مهمتها في الحياة هي التفاوض، وأخطأ حين سمى صائب عريقات "ذاكرة المفاوضات"- أصبح مطلبنا، نريد مفاوضاً بذاكرة سمكة!
أخطأ الرئيس حين لم يصارح الشعب حول التهديدات والضغوط التي تٌمارَس عليه ومن أي جهة، وما هو نوعها؟ وما هو الجديد فيها؟ أليست هي ذات التهديدات والضغوط التي واجهتموها أثناء توجهكم للأمم المتحدة؟ لماذا أكملتم الطريق للأمم المتحدة وسقطتم عن الشجرة في طريق المفاوضات؟؟؟
لم تعد فزاعة وقف المساعدات تجدي مع الناس بالذات حين تبدو اسرائيل هي الأكثر حرصاً على تلك المساعدات ووصولها للسلطة خشية انهيارها!
أخطأ الرئيس حين انتظر انتهاء المهلة المعطاة لتشكيل حكومة مشتركة (توافق/وحدة- سموها ما شئتم) مع حركة حماس، ليقوم بتكليف رامي الحمدلله مرة اخرى وبدون بذل أي جهد لدعوة الإطار القيادي المؤقت لبحث الأمر والضغط من أجل وضع حد للانقسام (رغم قناعتي أن اتفاقات إنهاء الانقسام هي لإدارته، ولا مانع من إدارته في هذه المرحلة طالما قبلنا بإدارة الاحتلال ولم ننهيه)
أخطأ الرئيس في قاعدة النأي عن النفس مما يحدث في الوطن العربي؛ والنأي بالنفس لا يعني ترك الناس للموت والحصار في مخيمات اللجوء في سوريا ولبنان، ولا عبر السكوت عن الإجراءات المصرية ضد قطاع غزة واهله، وليس مطلوبا من الرئاسة إطلاق البيانات الصحفية؛ بل التحرك والعمل الحثيث لحفظ حياة كل أولئك وحفظ كرامتهم.
أخطأ الرئيس كثيراً، بدءا من إدارة ملف انهاء الاحتلال، ومروراً بإدارة ملف الانقسام وليست نهاية الأخطاء إدارة ملف الفساد، ولكن إصلاحها وإن كان متأخراً فلا زال ممكناً.
الممكن يبدأ بدعوة الإطار القيادي المؤقت، وتشكيل فرق عمل –لا لجانا- متخصصة ومسيسة (لا يمكن لمحايد أن يقدم حلولاً استراتيجية سياسية وعملية) لبحث الخطوات الواجب اتخاذها لاستثمار الموقف الأوروبي من الاستيطان، والدعم الشعبي العالمي للفلسطينيين. إدارة ملف الانقسام بخيول مغايرة تقرأ حقيقة ساطعة أن سقوط الإخوان لا يعني سقوط حماس في القطاع لأن حماس سبقت الإخوان في تأسيس إمارتها بل وشكلت نموذجاً لهم في دول ما سمي بالربيع العربي، ولجنة عمل إعلامية تستثمر الطاقات الفلسطينية المشتتة في كل بقاع العالم وتستعد لتقديم خدماتها فقط بعد الاتفاق على المشروع الوطني الفلسطيني الذي تفكك وتجزأ بفعل الاحتلال أولاً وبانقسامنا وسوء إدارتنا لمصادرنا الشحيحة أصلاً ثانياً، ومرة ثانية قائمة العمل تطول ولكن الطاقات الفلسطينية تتسع وأكثر.
























