المكان: سجن جلبوع المركزي _ قسم 4
الزمان: صيف 2005 قبيل قهوة الصباح ..
المهمة: كان يحمل في دفات صدره ألما نازفا وحرقة لا تحتمل ... تسلل نحوي بصمت .. قال لي: يا ابن البلد ( تركتها خلفي تأنُّ .. حملها ثقيل وما بهواجسي أثقل )
أجبته قائلا: لك ما تريد ( فأنا كنتُ قلما دائم الحركة بين عواطف الرفاق والأخوة أكتب لهم رسائلهم وأحلامهم)............ فكتبت له الرسالة وانتشرت في السجن كانتشار الشائعات ......وهي باختصار:
أيا محزونة العينين ... هو القدر ، ينظم كلامنا وينقط حروفنا .. نحاول جاهدين أن نرسم ما نريد وبالريشة التي نريد .. ولكن نبقى في النهاية مُسَيَّرين لا مُخَيَّرين ...
ها أنا صغيرتي .. أجرع كؤوس الحزن والنقمة .. قدر النسور أن تعيش منزوعة الجناح ، قدر الأسود أن ينكرها العرين ، تكسَّرت كل القواعد .......
لا بأس إذن ، فأنا لا أملك أن أُدلِّك جسدي بالشمس متى أريد ولا الشمس تنام على جبيني كما أريد .. ولكن أنا أعيش في ذاتي كما لا يريدون وأدرك نفسي كما لا يشتهون .. الحق يُقال ... صارت السلاسل جزءا من القفص الصدري لدي ....ولكن .......
ما الحب يا عزيزتي إلا تضحيات جمة يقدمها الحبيب لمن يحب ... وإلا لن يكون طاهرا كالدموع وصادقا كقلبك .. لاسيما عندما يكون حبا خارجا عن المألوف ..وأنا لا أرضى إلا أن أكون أكثر الناس صدقا ... ولهذا السبب شاء لنا القدر أن نفترق ...
عصفورتي .. عليك أن تدركي أنني لم أدخل السجن لأنني اعتديت على مال غيري ولا لأنني سطوت على بيت الجيران ... لا .. ولم أتستر على لصوص مجرمين ..
بل هناك سبب وحيد جعلني أشارك الكثير في أسرهم .. وهو أنني أحب وطني بصدق وها هي فاتورة حبي قيد وسلاسل ..
وإن كانت تبدو لي للوهلة الأولى غالية الثمن ، فإنها لا تذكر عند فواتير غيري ... الكثير عزيزتي من أجل صدقهم دفعوا أكثر من أرواحهم ...!! نعم .. إن الرجل الذي تناثرت أشلاؤه لتنسف حدودا مزَّقتْ وطنا جميلا ليس ملاكا خارقا .. وإنما هو إنسان مثلي ولكنه يحب بصدق أكثر من الآخرين ... ربما ينظر إليه البعض على أنه وحش لا تختلج به إلا مشاعر الموت والحقد .. هم تناسوا أن يرمقوا في عينيه سمو المستضعف حين يصرخ بوجه الظالم ، لم يشاهدوا شهقة المسلوب الذي يوغل في طلب حريته ....
مولاتي الصغيرة ... ثلاثة صرخات لا يمكنني أن أقف مكتوف الأيدي عند سماعها .. صرخة الوطن الذبيح وصرخة أمي التي أرضعتني نخوة أجدادي وصرخة حبيبتي التي تحمل في بريق عيونها عالما من السحر والبراءة .. وكلي يقين بأنك سوف لن تصرخين لغربتي ...
لأننا نحب ولا نكره ونعطي أكثر مما نأخذ ونشتري ولا نبيع ... لكل هذا سوف يكون اللقاء حتى لو طال الانتظار .. يربطنا وطن أكبر من أحلامنا ... هو تَكَفّل بعودة العناق من جديد .. سيجمعنا غدا ليكبر حبنا أكثر ... وسيكون لقاؤنا لقاء السوسن بالندى ولقاء الشهيد بربه ولقاء الثائر بالحجر ...
عليك أن تدركي أن تحت هذه الحروف شلالات من الشوق وأنهار من الحنين ... يحمل في طيّاته حبا أطهر من الدموع البيض على وجنات عذراء ، وأروع من براءة الطفولة المنسية وأكثر إشراقا من فجر البطولة الدفين في أعماقنا .... حبا شجي كدموع أمي وحار كرعشة المذبوح في ليل الشتات المر
أيقونتي ..... أحبك جدا .. ولكني أحب الأرض أكثر
( وما زالا على موعد)
























