على مدى عقود مضت , حظي العالم العربي بحكومات بوليسية , أتت على أنقاض مستعمرات هنا أو هناك و إعلانات استقلال متتالية , و كل قد رضي بنصيبه من الكعكة الكبيرة وفق تقسيمات سايكس بيكو و غيرها .
أجيال تربت على أنه لا يجب أن يكون الصوت عاليا , إذا ما كان المقصود الحكام و النظام , و حتى الصغار حفظوا غيبا عبارة " اخفض صوتك للجدران أذنين " دون أن يفهموا معناها لصغر سنهم .
و ككل الظواهر الطبيعية , كالبراكين و الزلازل , فهي تبدأ في باطن الأرض تبدأ التغييرات التي لابد من أن تطفو على السطح كنتيجة حتمية للتطور الطبيعي لأي ظاهرة .
لا أنكر فرحي الشديد بسقوط الأنظمة العربية من بلد لآخر تباعا , و مررت فعلا بحالة الأغنية " أنا بتنفس حرية " , و شعرت أن للحرية هواء يتنفس و يملأ الصدر و هو يختلف عن هذا الهواء الذي اعتدت استنشاقه .
و تمنيت لكل الدول تباعا أن تحصل على حقها في التعبير و الأمل و الألم و أن ال " آه " لا بد لأن تسمع من الجموع المسحوقة في عقود مضت .
و لكن كما لكل نجاح أعداؤه و مستغلوه و متسلقو الفرص , بعيدا عن أي برنامج واضح و خطط حقيقية , و ضمن وضع اقتصادي و سياسي مهلهل , و إرث مرهق من مشاكل مجتمعية و غيرها في وطننا العربي . أصبح من الضروري وجود قادة حقيقين منبثقين من أحزاب هدفها الوطن أولا و ليس الحزب .
و ما يوجع أكثر من الكل - أكثر من حريق جسد هنا أو هناك , و معاناة عائلة أو فرد في مكان أو آخر, و بعد أن تمرد الشعب على فوبيا اللأجهزة الأمنية و القيادات , و خرج ذلك المارد من مخبئه , عازما على عدم العودة مجددا إلى محارته الغارقة في غياهب المحيط - ما يوجع أكثر من كل ذلك الألم و الدم المسفوك هو مآل هذه الثورات إلى من يعيد تكرار كل تلك الأخطاء التي ارتكبها سابقوه , في سفور و عنجهية متعللا , بالظروف و القيود , و عدم كفاية المدة و هل من المفترض أن نصبر أعواما يا سيدي لنصل إلى حقيقة مرة .
لازالت تنظيماتنا السياسية - تلك الدكاكين الفقيرة المكتظة برفوف قديمة لا تحاول أن تلبي طلبات زبائنها المتزايدة - تفتقد إلى دورها القيادي المنوط بها لتقود ثورة منظمة و تغييرا مدروسا بخطط واضحة محكمة تلائم طبيعة مجتمعاتنا , و قد لا تنجح هذه الخطط لكن من الممكن تقييمها و ومعرفة مواطن التقصير و الضعف .
أما المنظمات الأهلية غير الحكومية الرديفة , و التي من واجبها النهوض بمجتمع مدني يؤمن بسيادة القانون و العدالة المجتمعية . فهي ما زالت عاجزة عن القيام بدورها . مقتصرة على ورش عمل هنا أو هناك هدفها تغطية فواتير . لا أكثر و غداء هنا و عشاء هناك و مؤتمرات لا تخرج بتوصيات قابلة للتنفيذ و التطبيق . و أنها تغرد في سرب مجتمعات أخرى تلك التي يأتي منها التمويل و التي تحدد مخرجاتها قبل الدفع .
أما آن للتنظيمات السياسية و المنظمات الأهلية غير الحكومية أن تنوء بمهامها بعيدا عن تحقيق ثروات لأشخاص لم يعودوا ينتموا إلى أبناء هذا الشعب المسحوق و الذي تتزايد أعداد المنتمين فيه إلى فئة ما دون خط الفقر .
























