منذ بضع سنوات فقط، وأنا أهجس بشعر وحياة الشاعر الفلسطيني توفيق صايغ، الذي مات العام 1972 بذبحة قلبية في مصعد، بينما كان يهمّ بالصعود إلى بيته، المتوتر والعصابي والصافي عاش غريباً ومات غريباً، كتب أول قصيدة نثر ضمن ديوان (30 قصيدة) العام 1954 في العالم العربي، حورب بشدة وترأس تحرير مجلة (حوار)، التي اتهمت بتلقي الدعم من المخابرات الأميركية، ما أضفى على مصيره وشخصيته طابعاً عصابياً وتراجيدياً، تم إقصاء قصائده والسخرية منها حتى اتهم بأنه لم يكتب بيت شعر واحداً في حياته، تضامن معه جبرا إبراهيم جبرا، وسركون بولص وأحبه أحمد دحبور جدا، وتأثر به، ومضت عقود طويلة جداً قبل أن تتم إعادة اكتشافه، وإعطائه مكانته التي حرمها، كم مبدع فلسطيني قدم مبكراً إلى عالمنا ولم ُيفهم، ولم تقدر تجربته، كان توفيق صايغ رائد القادمين المبدعين الفلسطينيين المبكرين، الذين وضعهم قدر الحضور المبكر إلى أزمان بلادهم المترهلة في أتون اللافهم ومحرقة اللاحب واللامكان..
خليل السكاكيني التربوي والشاعر والمفكر الفلسطيني قادم مبكر آخر إلى بلاده. توفي في القاهرة ودفن فيها عام 1953 قادماً من القرن الـ19، وعانى الأمرين من إهمال زمنه وسخريته، وخوف الناس من حداثته وتحرره الشخصي والفكري، فرد عليهم خليل بسخرية أخرى حادة، واعتزاز وثقة بالنفس، لكنه ظل ممتلئاً بالحزن والإحساس بالأسى والعجز.
قادم مبكر آخر هو جبرا إبراهيم جبرا، الذي ظُلم أدبياً أيما ظلم في حياته، وتم إقصاؤه من عديد من المواقع والمنابر، وعوملت ترجماته ودراساته دون حماس، نتيجة انخراطه في سياقات غير محلية ذات بعد تحرري واضح، وتمت إدانته باستمرار نتيجة بعده عن دوائر النضال الفلسطيني. اعترف أميل حبيبي في حوار معه بأنه لم يقرأ رواية واحدة لجبرا لكونه برجوازيا كما كان الحزب الذي انتمى اليه اميل يحرض ضد جبرا، فيما بعد اعتذر اميل لجبرا عن خطئه الكبير وقرأ له كل ما كتب، كما قال، لم تشفع لجبرا ثقافته الجمالية العالمية وترجماته المهمة وشهادته على العصر ثقافيا. فظل غريبا عن سياق الكتابة الفلسطينية ومناخات الإبداع. أما سميرة عزام، القاصة الفلسطينية، التي سبق زمنها زمن غسان كنفاني، فتم التعامل مع قصصها من زاوية وطنية محضة، من دون محاولة استبطان عالمها وجودياً وإنسانياً وباطنياً.
هؤلاء الأربعة المبكرون عاشوا حياتهم بشجاعة وانسجام، لكن ذائقة الناس المدجّنة والنمطية خذلتهم وقست عليهم، فألقت بهم خارج جمالياتها الخطابية و التقليدية..
الآن يتم اكتشاف العظماء الأربعة، يتم الحديث عن ريادية توفيق صايغ لقصيدة النثر وذكائه الحداثي الصافي، وجرأته النادرة في صنع مساره الشخصي الجمالي بعناد وثقة تستحق التقدير. أما السكاكيني فقد طبعت يومياته الضخمة في ثمانية مجلدات ضخمة، وهناك حديث مستمر عن حداثته المدهشة والمبكرة، ونضجه المشرّف في زمن التخلف الاجتماعي أيام الحكم العثماني وزمن الاستعمار، وفي النقد العربي والفلسطيني يتم الآن احترام تجربة سميرة عزام القصصية ودراسة عالمها الفني بحماسة هادئة وموضوعية و غير متشنجة، ومقارنة عالمها بعالم غسان كنفاني، مناهج فلسطين تُدرس الآن قصصها ويُعاد اكتشاف عالمها الواسع الأبعاد وإن بطرق مدرسية و عاطفية و غير نقدية وجمالية – حداثية، وهناك اهتمام بارز بترجمات جبرا ورواياته وإعادة تقييم لتجربته في الكتابة الروائية والمسرحية.
























