ما أن صفقت خلفها باب مكتبي، حتى انهار سد الكبرياء الذي تختفي خلفه. لم تكن بحاجة لي، بقدر حاجتها لسكب دموعها وحشرجاتها على "اسفنجتي".
كان مخزون قهرها يتعثر على شفاهها، تبخّ سخن نيرانها على رفيق عمرها، وبين الشهقة واختها كانت تقدحني ببضع شرارات عشوائية. كانت حممها تحرق الاخضر واليابس، تارة باتجاه المؤسسات النسوية وتقصيراتها التي برأيها لا تغتفر، متهمة الجميع بالجبن والتقصير في إحداث التغيير. أما الحصة الكبرى لقصفها المركّز، فقد خصت به الزوج الذي خان العشرة بعد عقدين من الزمن، متنكرا لنذوره التي قطعها لها بتحويل حياتها معه إلى سحابة من شِعْر وليْل.
بعد أن اصطحبتها إلى مكان تواري به ألمها، فرَطَت تفاصيل حياتها في أحضاني، ونثرت بؤسها أمامي. كنت أرى انعكاس شريطها العاجل على شبكيتي، ووسط استغرابي وحيرتي، بدأت بشن وابل غضبها علينا وعلى القانون الذي وصل به التمييز إلى حد التمييز بين المشاعر، فمشاعر الرجل وسورة غضبه كافية لتخفيف عقوبته، بينما مشاعر المرأة وغضبها يؤديان بها إلى المسؤولية التامة عن طعنة تلقتها من الخلف.
تابعت انفجارها وهي تحاول إظهار التماسك. عنوان ثورتها كان يتمحور حول ما أطلقت عليه مصطلح "الطلاق الصامت" وتداعياته. بدأت تروي قصة الحب النادر التي ربطتها به، لكنها لفرط ألمها لم تستطع أن تتقدم بتفاصيلها الفريدة، بل بترتها قافزة إلى تعاسة حياتها. لقد شاخت حياتها معه قبل الأوان، يوما بعد يوم، كان الدفء يتلاشى مع اضمحلال المساحة المشتركة بينهما، وبعد السنة السادسة من الزواج كان الصمت سيد الكلام، أما الحوارات التي تجمعهما فقد كانت بحكم التشارك في البيت والأولاد، أو لتصيّد عيوبها وأخطائها وتمرير الانتقادات لكل تصرفاتها.. مع وخزات ولسعات واضحة لشكلها وبدانتها وملابسها وسطحيتها.
في البداية تعاملت مع افتعاله واشتباكاته بجدية، واعتبرتْها ملاحظات حريصة ولصالح حياتهما الزوجية، وبأنها تنبيه وإشارات للاهتمام بذاتها ومظهرها وحماية تكوينها من العطب. لذلك قررت الحفاظ على زواجها واستيعاب عيوبها. بدأت بممارسة الرياضة واتباع نظام غذائي صارم وترميم مكوناتها وتجديد التالف من جلدها، وفتحت نوافذها لتجديد هواء بيتها والسماح لمرور هبّات حارة على رطوبته.
تجاهل كل التغييرات المرئية وغير المرئية التي خطتها باتجاهه، وببرود تام تعامل مع جديدها. كانت تشعر بأنه يهزأ بكل محاولاتها، وكأنه يقول لها بأن لا فائدة مرجوة من كل ما تقوم به..لكنها لم تيأس، وأزاحت عن رأسها الشكوك وتمسكت بمواصلة خطتها، وواظبت على مواصلة ما بدأته. وفي غمرة انشغالها باستعادة حياتها معه، جاء من يهمس بأذنها بأن زوجها منشغل بغيرها.
كوَّمت حطامها أمامي، بقايا امرأة مشردة المشاعر مهدورة الكرامة، حاولت استعادة بيتها ورجلها، تسولت عواطفه ونفضت غبار السنين عن قلبها دون أن ترسو على أي بر، ولا تدري أين تضع أقدامها، هنا أو هناك..
ماذا يمكنني أن أسمي الحالة التي تعيشها صديقتي، وهي حالة ليست فريدة.. هل هي نزاع صامت..أم حرب باردة..انها قطعا ليست معركة تكسير عظام.. انها أشبه ما تكون بمساحة متنازع عليها.. وعلى هذا الأساس أخذت صديقتي قرارها بالبقاء في مساحتها دون تقديم تنازلات، سواء كانت من نوع الترميم وإعادة الصيانة من أجل شدّ الحياة إلى صفها..كان اهتمامها محصورا في البقاء مع البيت والأولاد حفاظا على الشكل الاجتماعي..انها اختارت أن تتموضع على خانة ما يسمى بالطلاق الصامت..
شعرت بعالمهما الصامت الحزين والمتعالي، وقبضت على حاجة كليهما للوجود. لا أملك وصفة تفسر الصمت الذي يجول في قلب زوجين تقاسما الحلوة دون المُرّة. شعرت بدنياها وبخواء عالمها وبانتهاء الكلام في حنجرتها. استمعت إلى الصمت المتسمر في عقلها، وشعرت بثقل همها. ومن بعيد شعرت بالعالم الذي يتجول زوجها به، عالم يملكه وحده ولا مكان للآخر الشريك به، ولمست شعوره بالضعف وباستقوائه على ضعفها وضياع شبابها، ولمست رغبته في الغاء وجودها ليجدد وجوده، وكأنه ينتقم من نفسه.
كما أسلفت، لم تكن بحاجة إلى رأيي، فقد اعتبرت بأنها وصلت إلى محطة لا يمكن مغادرتها، وبأن العطار لا يمكنه إصلاح ما أفسده الدهر. لم يكن بمقدورها الشعور بأنه ربما يكون بحاجة لها أكثر من حاجتها له، وبأن عليها مدّ يدها إلى يده ومخاطبته: "هيا نتفاهم، هيا بنا إلى فرصة نتصارح بها بأننا نعيش أزمة منتصف عمرينا، وهيا نضم أزمتينا إلى بعضهما البعض والتعامل معهما معا، وهيا نوقف طلاقنا الصامت".
























