شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 17 اكتوبر 2026م00:46 بتوقيت القدس

من حكايات البنات

14 يوليو 2013 - 14:52
ريما كتانة نزال
شبكة نوى، فلسطينيات:

استأذنتها بأن أكتب عنها، فقد شغلتني قصتها رغم مرور أكثر من سنة على فتح قلبها أمامي. كانت من برج هوائي، تؤمن بروايات العرافات والمتأملات بمخلفات القهوة في الفنجان. تتسمر أمام الشاشة الصغيرة، وتستعير المجلات النسائية عن فتيات هابطات من كواكب خارجية. كانت تداوم على مشاهدة المسلسلات المعروضة على القنوات، وأكثر ما تتابع الأفلام العاطفية وخصوصاً التركية والمكسيكية ذات الخواتم والنهايات السعيدة. 
كانت كثيراً ما تسترق السمع من خلف أبواب غرفة أمها وأبيها، وتدغدغ حواسها وترخيها الكلمات الجميلة عن حسن طلّتها وتفجر براكين الأنوثة في جسدها، والفقرة الأحب لسمعها، كانت عند وصولهما إلى فاصل العريس المناسب الذي سيحظى بالابنة الذهبية ذات الجمال الأخاذ.
أمام المرآة العاكسة للثروة الجسدية كانت تفكر بالفارس المنتظر، قائمة من الأسئلة تلوكها كل يوم: كيف تبدو ملامحه، وما هو شكله.. تعاود النظر إلى مجلاتها المصقولة وتضع النموذج، عيون الممثل التركي الذي تحبه وتحلم به البنات، وعضلات ومفاصل ذلك الرياضي المشهور، وعيون وملابس ذاك المذيع اللامع، وعاطفية المطرب المفضل، والمال اللازم لإشباع أحلامها الفارهة، والمهر وفستان الزفاف والذهب والبيت الفاخر وتوابعها.
وبينما الجميلة أمام المرآة مشغولة بقياس ثروتها، ترى انعكاس أجمل ابتسامة تتوقعها. الفارس المنتظر تأتي صورته المقابلة منعكسة على صفحتها المصقولة. انه فتى الأحلام بكامل عضلاته وقياساته النموذجية، لقد جاء السعد والحظ بسرعة البرق، فور أن قفز الوسيم من صفحات المجلات ذات الورق المصقول ليخطف أنفاسها ويدوخها.
تعتاد الفتاة انعكاس وجهه في مرآتها، وتشعر بأنه العريس المكتوب في خانتها، وبأنه قسمتها ونصيبها. انه الرجل الذي تحدثت عنه قارئة الفنجان، وهو الذي رسمته بنفسها وخطفت بخيالها ملامحه من مجلاتها قطعة قطعة. انه الشخص الذي يستحق امتلاكها، وهو الرجل الذي نحتت من أجل يديه جسمها، ومن حقه متابعة أملاكه التي تحملها. تقتنع بفكرتها البريئة، فترسم له في الهواء رقم هاتفها من أجل تبادل الرسائل. وأضافت مقنعة نفسها بالفكرة: "أنا ضلعه القاصر، وهو الغطاء لجرّتي، وهو ستري ومستقبلي، انه فتى الأحلام الذي جاءني صدفة كالقدر"، كانت تحدث نفسها وهي تقفز صاعدة درج المنزل المقابل لبيتها لمقابلة قدرها وتلبية نداء قلبها، تحدث نفسها لدى استلامها دعوة لزيارته عبر بريدها الإلكتروني. 
تهبط درجات المنزل المجاور تتبعها ضحكة عالية اخترقت شقوق الباب المغلق دونها، لم تفهم سرّ الضحكة أو سببها، لكنها اعتادت على سماعها بعد كل مرة كان يوصد فيها بابه الخارجي. كانت تلبي دعواته التي أصبحت تأتيها بشكل عاجل عبر رسالة نصية، ودون أي تفكير كانت تذهب إليه كالمخدرة، وتعود من عنده ذابلة، لم يعد إحساسها وشعورها بجمالها كذلك الإحساس الذي كان يلفحها بالماضي، ولم تعد تشعر بتلك الرفة التي تبرق في قلبها وتضيء وجهها. 
"سأذهب إلى قارئة الفنجان لتفك لي الطلاسم، او ربما سأطلب من أمي أن تعمل لي حجاباً يفك قيود الخاتم المنتظر" كانت تحدث نفسها كلما شعرت بأن الوقت يمر، وبأن انتظارها طال للكلمة السحرية، وللخطوة التالية والتقدم بشهامة لخطبتها كما فعل البطل في المسلسل الذي تشاهده. 
يوماً بعد يوم، كانت تنطفئ المصابيح التي تنير وجهها، ودعوة إثر دعوة تصل على بريدها الإلكتروني، او عبر رسالة نصية مستعجلة، كانت تستنتج بأن الفارس المنتظر هو المفترس غير المنتظر. ورغم هذا وذاك، ما زالت الجميلة ترتاح وتطمئن لكلام أمها عن جمالها، وما زالت تثق بأنه لم يفقد تأثيره على جلب العريس بالمواصفات المطلوبة، لكنها لم تعد متأكدة إن كان سيأتي بالعريس اللقطة.. لم تعد الجميلة تستعرض جمالها أمام المرآة، وأصبحت تقضي وقتاً أطول بأحلام كابوسية عن العريس القادم على صهوة السحاب، من النوع المطابق للنموذج الذي وضعته بوعي ساذج في غير زمانه أو مكانه. 
شعرت بلدغة الحكاية، استمعت دون أن أقاطع مرارتها وتشوشها من البداية الى النهاية، لم يكن لديّ ما أقوله سوى الوعد بالحديث عن نفسها مرة ثانية، وعن التغيير الذي عليها أن تجريه على نظرتها لذاتها، وعن قيمتها الإنسانية الحقيقية وكرامتها.. لكني كنت أخاطب نفسي بأنها واحدة من الحكايات الاجتماعية التي ربما لا نعترف بوجودها، او نغض بطرفنا عنها ونطمئن أنفسنا عبر دفن رؤوسنا بتصوراتنا وفرضياتنا، وللحكايات بقية..

كاريكاتـــــير