دماء المصريين التي سالت قبل أيام، كان ينبغي تجنّب إراقتها بأية وسيلة ممكنة. وهذا لا يعني أنني أصدّق الدعاية التي تقول إن الجيش أطلق النار على المعتصمين أثناء تأديتهم للصلاة. وقد يبدو أقرب إلى التصديق إقدام قيادة المعتصمين على استفزاز الجيش، ما أدّى إلى النتيجة الدموية التي وقعت، وإلى استثمارها لشنّ حملة تحريض واسعة ضدّ الجيش وضدّ القوى السياسية المساندة له، ولكسب مزيد من الأنصار في الداخل والخارج.
ولأنّ ما وقع في حاجة إلى تحقيق جدّي للوقوف على الحقيقة، فإن الحرص على مصر وعلى عدم توريط أبنائها في صراع دموي، ينبغي أن يكون في رأس اهتمامات القوى السياسية المتصارعة على السلطة الآن.
وفي حين أنني مع خيارات الشعب المصري من أجل ترسيخ حقّه في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، فإن التطوّرات السياسية التي لعب الجيش فيها دورًا حاسمًا، مستندًا في ذلك إلى زخم الاحتجاجات الشعبية، قد تبقى موضع جدل مشروع وحوارات متشعّبة، لتسويغ ما جرى أو عدم تسويغه. ذلك خاضع لحركة الواقع السياسي، ولقياس مدى ما اشتمل عليه من صحة أو خطأ في ضوء ما ستسفر عنه التجربة من نتائج.
وما يهمني في هذا الصدد، وفي ما يتعلق بمصر وبلدان الربيع العربي، التأكيد على وضع دساتير ولوائح وقوانين تنظّم العلاقة بين القوى السياسية المختلفة، بحيث لا يتمّ إقصاء أية قوة سياسية، ولا يتمّ استئثار أية قوة سياسية بالسلطة، ما قد يغريها بإقصاء الآخرين، أو بمحاولة نشر نفوذها وتعزيز تحكّمها بالدولة وبالمجتمع، وهو ما حاولت جماعة الإخوان المسلمين فرضه على مصر خلال عام من حكمها للبلاد.
ولعلّي أعود قليلاً إلى الوراء، لأشير إلى أنني رحّبتُ منذ البداية بثورات الربيع العربي، وأيّدتُ طابعها السلمي وطموحها إلى تغيير الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة التي حوّلتْ بلدانها إلى مزارع خاصة بها وبأتباعها من النخب الفاسدة، وأمعنتْ في إهانة كرامة المواطنين وفي إساءة توزيع الدخل القومي بين طبقات المجتمع.
غير أن الطابع السلمي للثورات لم يستمر بسبب شروع الأنظمة الحاكمة في استخدام العنف المسلّح لإسكات الناس، ما تسبّب في استدراج الثورات في بعض بلدان الربيع العربي إلى استخدام السلاح للرد على عنف الأنظمة، أو استقدام قوى أجنبية لحسم الصراع، وما أسهم في وصول قوى الإسلام السياسي إلى السلطة، من خلال استثمار المشاعر الدينية للناس، وتسخير الدين لحسم نتائج الانتخابات، والانفراد بالحكم بشكل أو بآخر، من دون تقديم بدائل اقتصادية واجتماعية مقنعة. ولم يعد خافيًا أن قوى حاكمة في المنطقة، عملت بوسائل عدّة لتعزيز نفوذها في بلدان الربيع العربي، ولحرف الثورات عن مسارها. يضاف إلى ذلك أن ثمة قوى أجنبية على رأسها الولايات المتحدة الاميركية وبعض البلدان الأوروبية، عملت وما زالت تعمل على التدخل في مسار الثورات لجرّها بعيدًا من أهدافها الصحيحة، ولترسيخ التبعية للمراكز الإمبريالية.
وبغضّ النظر عن كلّ هذه السلبيات والمخاطر، فإن ما وقع ضدّ الاستبداد كان يجب أن يقع، وكان من حق الشعوب العربية أن تثور من أجل الحرية والعدالة واحترام كرامة الإنسان وتحقيق المواطنة. والمطلوب الآن تصحيح المسار وتنقية الثورات مما رافقها من ظواهر غريبة عنها، وهذا الأمر لن يتحقّق في يوم وليلة، وسوف يستغرق إنجازه كما أعتقد سنوات.
والمهم أن يتم تصحيح المسار عبر الصراع السياسي بعيدًا من ممارسة العنف. ولعلّ هذه المهمة مناطة بمصر الآن، بعد أن قامت جماهيرها باختصار الزمن عبر تحرّكات سلمية حاشدة لتجديد الثورة. وما أرجوه أن تتطوّر هذه الثورة بشكل سلمي، ومن دون إقصاء للإخوان المسلمين أو لغيرهم.
























