توحد الشعب الفلسطيني ضد العدوان والاحتلال والظلم والتمييز والقمع، وتوحد ايضا مع المقاومة والانتفاضة ودخول الامم المتحدة. وها هو يتوحد الان على الفرح والانجاز. الان يتوحد بطريقة غير مألوفة، عشرات آلاف الشبان والشابات في الضفة والقطاع ومناطق 48 والشتات يعبرون بشكل صريح عن فرحهم وعن التفافهم حول رمز فلسطيني من لون جديد، انه الشاب الاسمر المتدفق انتماء وحبا وثقة وحيوية محمد عساف. الشاب الموهوب الذي جذب بإبداعه عشرات الالاف من الشبان والشابات، وسرعان ما تحولوا الى فريق ضخم بجهود وإرادة لا تلين فصنعوا مع عساف ومع اترابهم من شبان وشابات في بلدان عربية ذلك الانجاز الفني والمعنوي الكبير. القدرة على الفرح مقياس للصحة النفسية السوية، والشبان المتدفقون فرحا كشفوا حالتنا السوية وأظهروا مناعة هذا المجتمع بكل تجمعاته في مواجهة القهر والإقصاء والضغوط والازمات. كانت الصورة النمطية لحالة الفلسطيني من الموقع الصديق هي صورة الانسان المنكوب المحبط والمكتئب والتعيس والاشكالي، ويرى كثيرون اهمية التثبيت على حالة الفلسطيني المنكوب، انطلاقا من فرضية تقول ان الفلسطيني الذي يتجاوز حالة النكبة ماديا ومعنويا سينسى فلسطين وسيجد في التوطين الحل البديل. النموذج الساطع على ذلك موقف لبنان الرسمي الذي يحرم اللاجئين الفلسطينيين من مزاولة 67 مهنة. والصورة النمطية من الموقع المعادي الاسرائيلي أساسا هي صورة "الإرهابي" والتعصبي والمتخلف الفائض عن حاجة فلسطين والذي لا يستطيع تقرير مصيره بنفسه ولا يستحق وطن ولا دولة. حاول الشبان والشابات الفلسطينيون تحدي صورتهم النمطية السلبية مرات عديدة لكنهم كانوا يصدون، لكنهم هذه المرة تغلبوا على محاولات الصد وأثبتوا انهم وشعبهم عاديون وطبيعيون مثلهم مثل اي شعب شقيق او صديق. يقاومون ويحتجون يحبون ويكرهون يغنون ويرقصون ويسمعون الشعر والموسيقى ويقرؤون الادب والتاريخ ويتعبدون ويحترمون الديانات الاخرى. لوحظ ان التعطش الفلسطيني للفرح والانجاز فاق التصور، إنه تطور جديد في السيكولوجية الفلسطينية، ولما كانت الفئات الشابة هي صانعة هذا التطور، فإن ثمة تحولا يجري على الارض يستحق التدقيق والبحث. اعتقدت دوائر المحتلين المستعمرين أن استباحتهم للارض والموارد جميعا وفصل المواطنين الفلسطينيين عنها يؤدي الى تفكيك المجتمع وتدمير النسيج الاجتماعي، وانهم بهذا المستوى من التطهير العرقي والتفكيك يقتربون من تصفية الكيانية الفلسطينية والقضية الفلسطينية واستيعابها خارج حل الدولة المستقلة وتقرير المصير وعودة اللاجئين. جاء المشهد الفلسطيني يوم تتويج عساف ليقول لا. وليؤكد ان الكيانية الفلسطينية وروابطها ومكوناتها ورموزها ما زالت حاضرة وتفعل فعلها. انها قادرة على مواصلة التصدي والمقاومة والصمود وقادرة على صناعة رموزها وعلى إبداع أشكال المقاومة الجديدة في كل مرحلة ولحظة. المقاومة بالفن والثقافة اللتين اوجدتا حضورا فلسطينيا في المشهد العام العربي والدولي تعرضت لمحاولات كبح بريئة ومقصودة. البريئة هي التي وضعت المواقف في مواجهة بعضها البعض. كنقد المستوى السياسي الذي وضع مهمة دعم عساف كأولوية في الوقت الذي ظهر فيه عاجزا عن انقاذ المخيمات الفلسطينية في سورية وتقديم الدعم الضروري للاجئين المشردين مرة ثانية وثالثة. وكان من المنطقي المطالبة بوضع مهمة انقاذ المخيمات واللاجئين كأولوية الى جانب دعم عساف. وكالقول بأن الاستيطان يستمر من دون مقاومة ووضع ذلك في مواجهة دعم وتأييد عساف. او ان الاموال التي صرفت للتصويت كان يمكن ان تصرف لدعم صمود مدينة القدس والمقدسيين. ان دعم عساف لا يتعارض ولا يشكل بديلا لمقاومة الاستيطان ودعم القدس وإنقاذ المخيمات واللاجئين، هي مهمات تحتاج الى تضافر كل الجهود والى وضعها كأولويات والى نقد كل تقصير وتهاون بشأنها. لا يمكن النظر لكل مهمة في مواجهة الاخرى بل من المفترض النظر لها كمهمات مترابطة ومكملة لبعضها البعض. البعض اعترض على تدخل رأس المال الفلسطيني وشركاته في دعم عساف كمجال للربح وهذا الاعتراض كان يمكن التركيز فيه على نقد الربح والجشع والاستغلال دون وضع ذلك في مواجهة أهمية تأييد ودعم البرجوازيين للفنان. اما محاولات الكبح المقصودة والمؤدلجة، فقد تجلت في اعتبار المشاركة في المسابقة والبرنامج الغنائي حرام ومخالف للشرع. وواقع الحال ان كل الغناء وكل البرامج الغنائية مرفوضة من وجهة نظر هؤلاء. ويعتبرون الغناء العاطفي انحلال اخلاقي. لقد سبق وان استدعي عساف من قبل شرطة حماس في قطاع غزة 20 مرة لاجباره التوقيع على تعهد يلزمه بعدم الغناء في حفلات خاصة. الذريعة التي يقدمها هؤلاء هو تحريم الدين الاسلامي للغناء والموسيقى. غير ان هناك من اثبت بالحجة والبرهان ان الاسلام شرع الموسيقى والغناء وحلل ممارستها. هناك أحاديث نبوية تؤيد وأحاديث لا تؤيد، ويقال ان الاحاديث المؤيدة لها الغلبة. الشيخ القرضاوي ومجلس العلماء الذي يشكل مرجعية حركة حماس ينتمي الى المؤيدين للغناء والموسيقى. بالامس هزمت ثقافة التزمت والانغلاق وتحريم الفرح، بالامس هزمت ثقافة السيطرة بالتخويف والترهيب والانغلاق، بالامس خرج الشبان والشابات وعموم الشعب موحدين، لينتصروا لثقافتهم الوطنية وتراثهم الوطني ودينهم المتسامح ورموزهم الوطنية والثقافية. بالامس انهار بناء ثقافة التزمت والانغلاق وجدران العزل الداخلي التي شيدها الخوف والابتزاز. بالامس سقطت الثقافة التي وضعت محمود درويش على رأس قائمة العار مع نخبة من المثقفين والاعلاميين. بالامس كنا طبيعيين وعاديين. بالامس استعادت الثقافة الوطنية وهجها. القيمة الفعلية لما حدث بالامس، لا تختزل بفوز الفنان الرائع محمد عساف، بل ان القيمة الفعلية بالتحول داخل المجتمع وباضطلاع الاجيال الشابة الجديدة بمهمة التدخل في الوقت المناسب. الانتصار للثقافة الوطنية الجامعة، سيتلوه تدخلات أخرى وأخرى.
























