كتبت نائلة خليل:
اليوم يغادر الفنان الفلسطيني محمد السمهوري الى الأردن، فقد انتهى تصريح دخوله لفلسطين الذي استمر ثلاثة شهور، مضت كأنها ثلاث دقائق – على حد تعبيره -، ابتسامة السمهوري اختلط فيها الحزن والأمل فهو يغادر تاركا وراءه 38 لوحة تنبض بكل ألوان الحياة على جدران مؤسسة عبد المحسن القطان برام الله.
المعرض الذي حمل عنوان" سمكة بألوان كثيرة" يفتقد صاحبه، لكن اللوحات مثل كثير من المعجبين الذين يزورون مؤسسة القطان، سينتظرون معرضا آخر للفنان الذي غادر مضطرا إلى بيته في مخيم الحسين في الأردن على أمل أن يعود قريبا.
"سمكة بألوان كثيرة" هو المعرض الأول للفنان السمهوري في وطنه، ولوحات المعرض هي نتاج عامين من العمل، هي ذات العامين منذ أن ارتبط بزوجته وفاء عبد الرحمن، ليكون المعرض كما يقول" من وحي وفاء ومرتبطا بها".
ويقول السمهوري: "هذه أول مرة أدخل فلسطين في حياتي، فلسطين بالنسبة لي هي يافا، وبحرها وطرقاتها وحاراتها كما كانت تصفها لي أمي هيفاء الشرقاوي، التي كانت تتمتع بذاكرة بصرية رائعة، في الثلاثة شهور الماضية زرت يافا، ومعظم المدن الفلسطينية، وعرفت ماذا كان يعني ألم أمي وأبي اللذين ظلا يتحدثان عن يافا إلى أن توفيا قبل سنوات قليلة".
وتكوّن المعرض من ثلاث مستويات، الأول جرافيك، وطباعة وحبر، والثاني التشكيل، والأخير مشروع الجدار العازل، ليكون الأخير نواة المشروع القادم للفنان السمهوري، الذي ولد من رحم المعرض الحالي "سمكة بألوان كثيرة"، ويكشف مشروع الجدار العازل الذي ينوي الفنان تنفيذه على قطعة حقيقية من الجدار في حال حظي بتصريح دخول لفلسطين مرة ثانية، ليكون المشروع الفني مع وقف التنفيذ.
الفنان استخدم قصاصات من الصحف في جداريات كبيرة وكأن لسان حاله يقول: "هناك الكثير من الأقوال لا الأفعال حول إزالة الجدار أي "كلام جرايد"".
الثيمة الأساسية في المعرض كانت السمكة، وهي حسب ما يقول الفنان "هي غزة المحاصرة لكنها صاخبة بالألوان والحياة، السمكة هي معنى الحياة والحرية، وهي ثيم مقدس عند المسيحية، وكيف أطعم المسيح تلامذته من السمكة، وهي كذلك أيضا عند الصوفيين وفي أشعار ابن الرومي كقيمة للحب".
ويتابع: "السمكة رمز للحرية وتشابك المعاني الجميلة، وهي أيضا وفاء عبد الرحمن زوجتي، التي تجسد هذه المعاني، فعلاقتي بها هي التي أتاحت لي فرصة بزيارة فلسطين وغزة بشكل خاص".
سمكة بألوان كثيرة كانت ضد المألوف وضد حصارها في مكان واحد أو ثيم واحد، فحسب لوحات السمهوري فالسمكة وجدت مكانها في السماء لا في البحر، حيث كانت تطفو على سماء التكوينات الفنية للوحة وكأنها تحلق.
السمهوري الفنان والكاتب يعترف انه يجد في الفن التشكيلي مساحة للراحة، فهو إلى جانب كونه فنانا تشكيليا قدم معارضه الفنية الشخصية في بيروت ودبي، هو أيضا كاتب لسبعة مؤلفات ما بين الرواية والقصة والنص، ومع كل ما سبق يؤكد أنه جاء من رحم الصحافة المهنة الأحب إلى قلبه.
يقول: "الفن التشكيلي تحديدا هو المكان الذي أستريح من خلاله، عندما لا أكون منشغلا بالكتابة، لكن مساحتي الحقيقة هي الصحافة فهي تسكنني".
خلال العقدين الماضيين غطى السمهوري حروبا ونزاعات ومؤتمرات دولية وحاور فنانين ومثقفين، وما بين عمله الصحافي الصاخب كان الفن شغفه والكتابة انهماكه الذهني والروحي الدائم.
لكن كيف يلتقي عالم الصحافة بصخبه وانشغالاته اللامحدودة مع عالم التشكيل والكتابة واشتراطاته من العزلة والهدوء؟، يجيب السمهوري: " أنا ضد الأفكار التقليدية الجاهزة عن الصحافي والكاتب والفنان، هناك نماذج عربية مثل جبرا إبراهيم جبرا كان يكتب ويرسم، وأخرى عالمية أيضا، كسرت هذه القوالب الجاهزة".
يرفض السمهوري فكرة الفن النخبوي، ويؤكد أن أي "لوحة أو قصيدة أو نص يكتبه لا يجد ترحيبا من أبناء حارته في مخيم الحسين يعني أنه فنان راسب".
يقول: " عرفت أن مجموعتي الشعرية" احتفال أسفل اليد" ناجحة لأن ابن اخي وزملاءه في الصف كانوا ينسخون هذه القصائد ويرسلونها الى صديقاتهن".
ويتابع صاحب معرض "طفولة رجل ":" الأمر ذاته في معارضي الفنية، حيث غالبية من يشتري لوحاتي من الموظفين والناس العاديين، إضافة الى رجال الأعمال والسفراء".
أسعار لوحات السمهوري في متناول كثيرين، حتى أن بعضهم يأخذ اللوحات "برسم الدين" والفنان لا يمانع فهو يرفض أن يخرج أحدهم أو إحداهن من معرضه كسير الخاطر لأنه وقع في غرام لوحة لا يستطيع شراؤها.
ويعلق:" أحب فكرة أن تكون لوحاتي معلقة قرب الصور الشخصية للناس وتمائمهم المقدسة، هذا لا يقارن بمن يشتري اللوحات ليباهي بذوقه الفني بينما هو لا يحبها حقا".
رفضه الشديد للفن النخبوي، لا يقابله سوى انحياز كامل للمخيم والمرأة، حيث يرفض الفنان الصورة النمطية للمخيم أنه"مكان مليء بالفقر والإحباط" ويقول:" الناس في المخيم يعشقون الفن الذي يستطيع أن يلمس قلوبهم، وحياتهم مليئة بالألوان التي جلبوها معهم من قراهم المهجرة، كل أثواب النساء المطرزة تثبت هذا الكلام وأكثر".
انحيازه للمرأة بدأ من والدته هيفاء الشرقاوي، أول امرأة قررت دخول صفوف محو الأمية في مخيم الحسين للاجئين في عمان، بعد ان دخلت خطأ فندقا كانت تحسبه عيادة!! وهي التي علمته أنه "إذا لم يحترم المرأة فلن يكون سعيدا ولن يحترمه أحد"، وهي ذاتها المرأة لتي كانت تقود النساء في المظاهرات نصرة للقضية.
هي ذاتها المرأة التي اكتشفت وهي في السبعين من العمر شغفها بالرسم، فرسمت أكثر من ثلاثين لوحة، وغلاف رواية ابنها"مدينة لا تخرج من البيت"، وكأنها تكثف في سنوات قليلة قبل موتها كل ما أرادت أن تفعله في الحياة من قراءة ورسم وحب وجارف للفن.
هذه العلاقة المختلفة مع المرأة - الأم – قادته بالضرورة الى علاقة مختلفة مع الإعلامية والناشطة النسوية وفاء عبد الرحمن حيث تزوج الإثنان من عامين، ويعيشان ما بين مخيم الحسين في عمان ورام الله، ونتج عن زواجهما حتى اليوم" سمكة بألوان كثيرة"،والتي يعتبرها جزءا من مشروعه الشخصي والثقافي وسببا لعودته لوطن كان يحلم به دوما.
يذكر أن المعرض مفتوح أمام الزوار في مؤسسة عبد المحسن القطان حتى التاسع والعشرين من الشهر الجاري.
























