القدس -نوى- أحمد يوسف: لم يتوقع المقدسي جواد الياسيني (38) عاما، أن يتسبب فضوله برصاصة وأكثر من (16) ساعة من النزيف والضرب، فعند الواحدة من فجر السبت (18/أيار) الجاري قرر الشاب العائد من زيارة صديقه في أبوديس لمنزله في العيزرية، أن يمر بمحاذاة الجدار لرؤية الفتحة التي أحدثها شبان فيه، ليفتح ذلك عليه أبواب العذاب.
رصاصة من مسافة صفر
"كانت المواجهات قد انتهت، مشيت على بعد (30) مترا إلى جوار عمارة مقابل الجدار، ثم فوجئت بأصوات عالية وهاجمني بعدها خمسة جنود وانهالوا علي بالضرب"، من هنا بدأت رواية جواد قائلا: "كنت أريد رؤية الفتحة فقط، ولايوجد لدي ما يبين أني حضرت لفعل شيء".
استدعى الجنود المهاجمين رفاقهم ليجتمع مايزيد عن عشرين بحسب جواد، قبل أن يمسك جنديين به عن يمينه وشماله، ويقول "سمعت صوت انفجار ثم أحسست بما يشبه اللكمة تبعها سخونة في قدمي اليسرى لجهة الحوض فسقطت على الأرض".
جر الجنود جواد بعيدًا عن الفتحة، كانت الأرض تنتهك جلده محدثة فيه جراحا جديدة، ويقول "وجه لي الجنود شتائم بذيئة، ثم وصلت إلى الضابط فسألني إنت زلمة؟ أجبت طبعا، فطلب من الجنود سحبي إلى الدورية".
عاد الجنود لسحب جواد وضربه وسط سيل من الشتائم، ويوضح أن أحد الجنود قال لرفاقه "انظروا يقول عن نفسه رجل ولكنه (عملها تحته)، قبل أن يرد آخر لا لا هذا دم"، ويضيف "عندما سمعت رد الجندي شعرت بأن قدمي تخدرت ولم أعد أستطيع المشي".
ارتمى جواد أرضا معلنا عجزه عن المشي، صعد جنديين للدورية وسحباه بمساعدة جندي قام برفعه عن الأرض، ألقوه في الدورية وأغلقوا الباب وانهالوا عليه بالضرب.
رحلة بين المعسكرات والنزيف مستمر
تابع الجنود الضرب، فقد جواد وعيه واستعاده على وقع ركلاتهم، صرخ بأعلى صوته مناديا على الضابط، ويبين "جاء ضابط ذو ملامح بدوية ويتحدث العربية بطلاقة، سألني لم تصرخ، أخبرته باعتداءاتهم فرد (تستاهل) ثم أغلق الباب وانصرف".
كان رد الضابط بمثابة ضوء أخضر للجنود، تابعوا الضرب والشتم فيما تابع جواد الصراخ، عاد الضابط فطلب منه جواد رؤية النزيف، يقول "لم أتردد في التوسل له ليتدخل ويرى حالتي، ألقى علي نظرة وانتبه للنزيف الذي خلفته الرصاصة، طلب من الجنود التوقف عن ضربي وقال لي (سكر تمك) ثم ذهب".
لم يكن ذلك الأمر كافيا لإنهاء حقد الجنود، عادوا للضرب فالتجأ جواد للصراخ من جديد، ويقول عاد الضابط وطلب منهم فك القيود وأكد على عدم ضربي ثم ذهب، فأخذ الجنود يدغدغوني ويشيرون لي مهددين".
توقفت الدورية بعد رحلة استمرت لأكثر من ساعة، طلب الجنود من جواد النزل فلم يستطع، ألقوه أرضا على بطنه وانصرفوا، طلب الضابط منه الوقوف أو الجلوس على كرسي فأكد له عجزه، ليبقى ملقىً أرضًا على بطنه.
بعد نصف ساعة جاء شخصين يرتديان الزي العسكري، عرف أحدهما بنفسه على أنه طبيب، بين لجواد أن جسده تعرض لثلاث إصابات بينها فتحة كبيرة، عالجوه بدواء أحمر اللون وضمدوا جراحه ثم انصرفوا تاركينه طريحا.
ويؤكد جواد "طلبت من الجنود ماء للشرب، فأحضروا علي زجاجة ماء يبدو لي أنها كانت ملقاة تحت الشمس لساعات طويلة، بدا سوء طعمها واضحا فلم أستطع الشرب، بعد ذلك أعادوني للدورية وسألت عن وجهتنا فرد أحد الجنود، لا شأن لك .. لا تسأل".
الاعتقال
سارت الدورية بجواد إلى حيث يتمنى ويخشى في آن معا، كان يعتقد أن مامضى كاف لينتهي به إلى المستشفى للعلاج، لكن هذه الجولة الجديدة في رحلته في حيث لا يعلم، لم تكن أهون مما سبق وإن خلت من الضرب ومضايقات الجنود.
كانت الدورية تسير ببطىء، فيما رائحة الدم تتوغل في كل خلايا جسده، مثيرة اشمئزازه إلى حد الرغبة في التقيؤ، ويوضح "قال لي أحد الجنود عندما تعود للعيزرية قل لأصدقائك ماذا فعل بك حرس الحدود"، ويضيف "كان الجندي يتوعدني بالقضاء على العرب معتبرا فتح الجدار اعتداء على دولة اسرائيل".
ويضيف توقفت الدورية من جديد، قال لي الجندي "لقد وصلنا، هلا المخابرات رح تعلم عليك!"، لم يرد جواد مكتفيا بانتظار ما سيحدث لحظة تلو أخرى، دخل المعسكر ليرى "كونتينرات" تصطف بالطول وفق وصفه.
ويبين أنه فور دخوله لأحد "الكونتينرات" رأى ممرًا وغرفًا إلى اليمين والشمال، فأدرك أن ذلك معتقلا، سأل أين أنا؟، فجاءته الإجابة بأنه في "غوش عتصيون" وسيخضع للتحقيق بتهمة إلقاء المولوتوف والحجارة.
طلب الجنود من جواد ارتداء ثياب الأسرى، وأخذ بطانية قبل الدخول إلى الزنزانة، نفذ طلباتهم رافضا تسليم بنطاله الممتلئ بالدم، ويوضح "دخلت الزنزانة مع أذان الفجر، أيقظت أحد الأسرى الأربعة، وطلبت منه توضيح ما إن كنت سأخضع للتحقيق فعلا بعد فترة، لكنه طلب مني النوم حتى حضور الجنود لتقديم الطعام عند الساعة السادسة والنصف فجرًا".
ويضيف "غفوت في سريري حتى أيقظني الوجع، نظرت للسرير فوجدته غارقا في الدماء، أطلقت صراخات مدوية أيقظت كل من في الزنزانة، كان ذلك قبل موعد الأفطار بدقائق، فحضر الجنود واطلعوا على حالتي واعدين بإحضار سيارة الإسعاف بعد نصف ساعة".
لعبة العلاج
لم تكن نصف ساعة التي قالها الجندي تحمل المعنى بحد ذاته، نصف ساعة تأجلت لأخرى ثم أخرى إلى ساعات متتالية، أصبح جواد فرجة للجنود والأسرى في الزنازين المجاورة، حاول تناول الطعام فتقيئ، مطلقا بين كل شهيق وزفير صرخة.
عند السادسة والنصف مساءً حضرت سيارة لنقل الأسرى، ألقي جواد فيها وأغلق عليه بحيث لم يعد يرى حوله، نقل إلى المستشفى ليجد نفسه على فوهة بركان آخر من العذاب.
يقول جواد "بعد انتظار طويل في المشفى قالوا لي اني سأدخل غرفة العمليات، فجاءني طبيب اسرائيلي وأخذ يفحصني موجها لي أسئلة لم يسألنيها الجنود من قبل".
ويبين "كان الطبيب يقلبني بعنف فأصرخ طالبا منه التصرف برفق دون أن يكترث، اتهمني بالاعتداء على الجنود ودولة اسرائيل، قائلا إني أستحق ما حدث، بعد لحظات جاءت ممرضة وأبلغته بأن اسرائيليا يحتاج للعلاج فتركني وذهب".
لم يجد جواد حلا سوى الصراخ واتهام الجنود بمحاولة قتله، قبل أن يبلغه طبيب اسرائيلي أن الفحوصات أكدت إصابته برصاصة "غول" البلاستيكية عن بعد (3.5)م، وأن إخراجها غير ممكن قبل شهر ونصف.
يقول جواد "أيقنت أن الأطباء قرروا ترك الرصاصة لبتر قدمي بعد مدة واتهمتهم بذلك، فاضطروا لإحضار طبيب مسلم ليقسم لي مؤكداً صحة الرواية.
قدم الأطباء المسكنات اللازمة، وبقي جواد في المشفى دون اتصال مع عائلته، قبل أن يجري اتصاله الأول بمحامي نادي الأسير الاثنين (20/أيار)، ليخوض الأخير معركة عاجلة أمام المحكمة انتهت بانتزاع قرار الإفراج ظهر الأربعاء.
وأيا كانت ظروف القضية وأسباب الإفراج العاجل عنه، إلا أن ذلك يخلص الاحتلال من مسؤوليته بتوفير العلاج اللازم، واستخراج الرصاصة التي بقيت في حوض جواد، مرغمة إياه على تأجيل عرسه المقرر في (13/حزيران) القادم، والموافق لعيد ميلاده كما أحب.
وناشد جواد الجهات المختصة في السلطة الفلسطينية وأهل الخير، مساعدته على إجراء العملية اللازمة، بسبب عجزه عن توفير المصاريف اللازمة، وعدم امتلاكه أي تأمين صحي.
يذكر أن جواد يبيع المشروبات الساخنة وسندويشات خفيفة مع شقيقه على "كشك" صغير في العيزرية، وهو شقيق لست شبان وسبعة فتيات وشهيدين.
ــــــــــــــــ
هنا القدس
























