مصعد بناية نادي الاعلاميات يعزف موسيقى أثناء الصعود والهبوط كموسيقى الصندوق المذهب الذي طالما اختبأت داخل دولاب الملابس لأفتحه وأدندن مع موسيقاه ، كان هدية عيد ميلاد شقيقتي الأكبر وكانت تنهرني كلما وجدته بين يدي فكنت أدخل معه في الخزانة ، ضوئه الخافت موسيقاه الهادئة وصورة الحقل الممتد التي تظهر كلما فتحت الصندوق .. ربما كانت هناك فتاة بثوب قروي وردي اللون أو ثوب مليء بالزهور الصغيرة هناك خراف وبيت في الأفق .. لست أذكر جيداً الصورة وربما امتزجت مع المسلسل الاميركي الذي كنت اتابعه بيت صغير في القفر ، تشارلز الأب والأبنة الكبرى لورا التي طالما تعايشت معها كشقيقتي الكبرى التي كانت تنشر السعادة في البيت بأشيائها الجميلة وحكاياتها حين تضفر لي جدائلي .. لورا وأمل كانتا شخصية واحدة في مخيلتي لورا مصدر سعادة عائلتها التي يثق والدها بأنها تقدر على كل شيء وأمل شقيقتي التي تلتمع عيناها حبوراً ونحن ندور حولها سعداء برضاها أن تقص علينا حكاية بينما يجن الليل وأمي و والدي عند الطبيب طفل سيجيء وربما جاء في زحام العائلة كانت أمنا الصغيرة ، تعد لنا الشطائر ، تحيك لنا ثيابنا التي تمزقت من تسلق جدار الحديقة أو التأرحج مع أغصان الزيتون ، طالما عملت لي ثياباً من قصائص الأقمشة بجوار ماكينة الحياكة ، كملابس الدمية ألوان متناثرة كنت أسعد بها وأدور حول نفسي سعيدة .. كانت أمي تضحك وتقول العبي به في الحديقة الخلفية وإياك أن تلبسيه عندما تزورنا القريبات ... نضحك ونلعب وفي مساءات الأحد ننتظر لورا بيت صغير في القفر .. أنظر للمسافات والحقول وشقيقتي أمل تبكي للوعة لورا .. كنت أرى الدموع تنهمر من عينيها ويحتبس الدمع في عيني دون أن أعرف أنها تلتاع للورا التي تحب شخصاً وترتبط به وتترك البيت الصغير وعائلتها تبكيها وامل تركتنا ومضت للمجهول وذاكرتي تتحجر مع صراخ أبي وصمت أمي وجسدها يرتجف .. عيناي كانتا تدوران تبحثان عن تفسير كل النساء تحتفل بمولودها البكر فلماذا تمضي أمل بحزنها مع طفلتها خلف الافق ..؟! لم يصل بي الخيال في قصصي لتلك المأساوية ولم أحتمل حتى الجزع فطال صمتي وانفجرت بينما بدأت عائلتي بتجرع الأسى ،
ذاكرتي السحيقة أعادها لي المصعد في ثوانيه المعدودة كفيض من تسونامي هاج في أعماقي لتغتسل من الآن المرير لسنوات الحلم الغض .. صندوق الموسيقى الذهبي واللوحة التائهة ، تقرفصي في خزانة الملابس واحتضاني الشغف للصندوق ودقات قلبي المتراكضة من يد تفتح الباب وتخرجني من أذني لتنهمر دموعي ..
صندوق الموسيقى يخص شقيقتي الأكبر التي تحب الاحتفاظ بالأشياء ، تمسحه وأشياءها الأخرى وتخبئه في صندوق أسفل الخزانة ، سوارها البلاستيكي الملون بألوان الطيف وأقراطها العديدة التي كانت تبتاعها من مصروفها أو تجمعها من هدايا صديقاتها وقد كانت تعشق أعياد الميلاد وكلما حضرت عيد ميلاد أبلغت صديقاتها أن عيد ميلادها الاسبوع المقبل .. بمعدل ثلاث أو أربع اعياد ميلاد في العام.. لم تكن تكبرني سوى بثلاثة أعوام لكنها تملك ارادة قوية وعندما تنوي عمل شيء تنفذه كانت تتذمر من محاباة الذكور في العائلة وتفرض نفسها بقوة ليسوا افضل مني بشئ ، كانت مستقلة بذاتها وترفض أن تصنف في وسط او آخر القائمة لذلك كانت المميزة عند والدي كيف لا وهي الأولى في مدرستها الطالبة المتفوقة التي يلحقها الاطراء أينما مضت بقامتها الطويلة وجسدها المنتصب على عكسي ..حيث أميل للانكفاء على داخلي ، أعيش عالمي الخاص في حكاياتي وقصصي التي كانت بوابة عبوري لأشيائها ومساعدتها حيث كانت فيما بعد تعطيني القلم والأوراق وتقوم بواجباتي اليومية في ترتيب ونظافة البيت مقابل قصة تقرأها وأنا تحت شجرة الزيتون أجلس حالمة وكثيراً ما كانت تُستفز حين تجدني لم اكتب سوى المقدمة وتشتعل لمعرفة البقية وأخبرها لم يأت الوحي بعد .. لست ادري أي جنية كانت تثور في داخلي بالحكايات تلتصق مع خيالي الخصب وأنا اتخيل سيناريوهات ما بعد تقاعسي عن دراستي وعبثي في حاجيات شقيقتي وتعنيفي لزملائي من الذكور للنيل منهم انتقاماً من قمع الطفلة التي كانت تطمح للتجول هنا وهناك خارج أسوار المنزل لتحلم بحكايات وترى صوراً لبشر مخطوطة على ملامحهم حكاياتهم بهدوء وصلف معاً ، لطالما نظرت للوجوه مباشرة أقرأ فيها الحكايات الانسانية وهذا يعيب الفتاة التي لم تبلغ بعد العاشرة فماذا عن امرأة .. تعتقد أن كل البشر لديهم أحلام وحكايات مختبئة خلف الاقنعة والأدوار التي ينتظرها الآخرون منهم بينما عندهم أحلامهم وآمالهم الخاصة وربما بعض المخاوف والدموع ...
صندوق الموسيقى كان ينقلني بين أحلامي لشخصيات وهمية أعطيها اسماء من حولي لأسبر غورهم وكثيراً ما كنت أسمي بعض من حولي بأسماء شخصيات الرسوم المتحركة فمعلمة الرياضيات التي تبدو قاسية كانت السيدة ملعقة التي تبدو قاسية لكنها حكيمة وطيبة ومدرس اللغة العربية هو السيد شوكة المتذمر التائه ..السنافر كانوا يمثلون شخصيات كل من حولي فسنفور قوي شقيقي الذي يذكرني في كل لحظة بأنني بنت لا يحق لي ما يحق له .. وعلي أن أعد له الشاي وساندويتش الزعتر في خبز ساخن تحترق اصابعي وانا أقلبه على الموقد ويحترق قلبي تذمراً هناك حلم وحكايات تبحث عن النص الذي يُكتب دون ريبة أو وجل ...
بضعة ثواني في المصعد والموسيقى تنبعث في ذاكرتي كوميض حملني لفضاءات الحلم الأخضر .. فكم من وميض نبش الذاكرة لمخزونها الجميل وكم من وميض ألقى بنا في غياهب خوفنا من الماضي والآتي وكأنه يعيد شيطان الذكريات للمر لنتذكر علقمه ونصاب بغصة يتجلى معها العمر كلا شيء أو كل شيء او لنعترف أمام أنفسنا تقاعسنا قليلاً لكننا تعافينا أو هزمنا بعض الشيء وتقبلنا ، أو ثابرنا كثيراً لنقف امام أنفسنا راضين عما مضى ونتطلع بأمل لما تجيء به الأيام ....
والحياة لا تتعدى كونها صندوقاً مغلقاً فربما كانت موسيقى ما يصدح بها حين يفتح أو مصعد ينقلك بين أحلامك وما قُدر لك ، صندوق أسرار تحيا تخبئه كي لا يقرأوا خوفك وحلمك .. او صندوقاً لكل اشياءك الجميلة وذكرياتك الرائعة يصدح موسيقى شغفك بالحياة ...
























