نجحت مراكز القوى في حركة "فتح" في تحقيق أحد أهم أهدافها في الآونة الأخيرة بأن تفرض مغادرة د.سلام فياض لموقعه الذي استمر 6 سنوات في منصب حمل لقبا أكثر بكثير من كونه حقيقة.. رئيس الوزراء الفلسطيني، فجنوب "بقايا الوطن" المعروف باسم قطاع غزة، كان "خارج التغطية"، ووضع بيده، كتاب الاستقالة تحت ضغط قصف مدافع "نيران صديقة" كارهة له منذ البداية، استخدمت فيها كل ما لديها كي تحقق "الحلم المنشود" لازاحة شخصية فاجأت الكثيرون بحضورها الخاص..
أن يتقدم د. سلام فياض باستقالته، موقف يبدو وكأنه "احتجاجي" على سلوك الحركة التي يقف على رأسها الرئيس العام محمود عباس، والتوقيت قد يراه فياض هو الأنسب الآن في ظل ما يمكن أن تشهده تطورات الموقف السياسي والوطني، وربما جاء اختيار التوقيت ضمن "حسابات" لها صله بالمشهد القادم، المرتبط مباشرة بالعمل الأمريكي – العربي لاجبار الطرف الفلسطيني للذهاب الى طاولة المفاوضات، ضمن صفقة تقديم "الرشاوي السقيمة"، التي لا تتوافق والعناصر التي حددتها القيادة الوطنية كشرط مسبق لأي عودة تفاوضية، شرط الالتزام بوقف الاستيطان والتهويد..ولذا قد يكون قرأ بعضا مما لم يعلن بعد، فقرر التوقيت ضمن ما يعتقده الأنسب له سياسيا..
قد يفرح كثيرون لتلك الاستقالة، خاصة من اعضاء الفصائل السياسية، يمينها ويسارها، وقد ترى "حماس" فيها "نصرا مبينا خاصا" لها، تحقق قبل أن تتشكل "الحكومة التوافقية"، وهي تدرك، ربما، قيمة د.فياض المهنية والسياسية أكثر من غيرها، لذا كان ابعاده "شرطا" من "شروطها" للمصالحة، وساعدها في ذلك ما وجدته لدى "مراكز قوى فتحاوية"، ولعلها كانت النقطة الأكثر إتفاقا بينهما، بل أن كل منهما كان يقوم بعملية تسريب للأسماء البديلة مع كل جلسة يقال أنها جلسة تشكيل الحكومة، تستثني فياض، في شكل اعتقدت كلاهما أنهما ينتقمان منه..
فعليا تأخر د. سلام فياض في هذا الفعل كثيرا، وكان يجب عليه الاستقالة فور الاعلان عن الاتفاق بين حماس وفتح في القاهرة في شهر ايار – مايو 2011، والمح طرفي الانقسام أنهما لا يرغبان بقاء د.فياض رئيسا، وقد عزم أمره وأخبر داوئر مقربه بأنه لن يستمر، وسيستقيل كي لا يصبح "شماعة" تستخدمها أطراف معينة لتغطية موقفها الحقيقي من الانقسام، ولو فعلها في حينه لكشف كثيرا من "الاعيب" البعض التي تصل الى حدود "مؤامرة سياسية" لـ"ديمومة الانقسام"، لكن ذكاءه السياسي خذله، وفقد فرصة ثانية للقذف بالمنصب بعد "اعلان الدوحة" ولكنه بدلا من "الخروج الآمن" آنذاك اصدر بيانا بأنه لن يكون "عقبة" لتحقيق المصالحة، وهنا دخل في "خطأ كبير"، بأن لم يذهب الى ما يجب أن يذهب.. توقف عند حدود المخاطبة، بدلا من الفعل المباشر، وجاءته الفرصة ثالثة كي يرد لهم "الجمل بما حمل" يوم رفضه ان "يكون حمارا يحمل اسفارا" الى نتنياهو في ابريل – نيسان عام 2012، تلك الرسالة التي جاءت قفزا عن الموقف الفلسطيني المعلن بأن لا اتصالات سياسية مع حكومة نتنياهو، ولكن اكتفى د.فياض برفض أن يكون "نقالا" بدلا من المغادرة..
الظروف السابقة كانت أكثر مواؤمة وطنية لأن يستقيل فياض، وكان سيكون وقعها الشعبي اعلى كثيرا من حاضرها، الذي يتسم ببعض من الأجواء المتصادمة مع قوى اجتماعية وفئات شعبية، وتحيط بالاستقالة عوامل لا تبدو أنها لمصلحة الدكتور سلام، خاصة ما تم ترويجه بخصوص الموازنة ورواتب موظفي قطاع غزة، وما رافقها من حملة قفزت عن بعض الحقائق لتقوم بعملية استغلال لشن حملة غير مسبوقة ضد فياض، خاصة من حركة فتح، وكانت الحملة الأخيرة حملة رسمية عبر المجلس الثوري، لتشير أنها رسالة موافق عليها رئاسيا..
ولأن الاستقالة التي اقدم عليها د.فياض لها اكثر من بعد سياسي، فيجب أن لا تبقى سرية أو مغلقة، خاصة وأنها محاطة بكثير من عناصر الاثارة، التي تفرض على د. فياض مصارحة الشعب الفلسطيني بالمسببات كاملة، ونحن نعلم، أن هناك ظروفا تحيط بالاستقالة قد يكون لها تأثير جوهري على المشهد الفلسطيني، مدركين أن "البديل" لحكومة فياض ليس "حكومة توافق وطني" وليس حكومة تنفيذ اتفاقات المصالحة، بل هي حكومة محدودة الامكانية والقدرة، لا تبدو وكأنها مركز مواز للحكم والرئاسة، في مرحلة قد تشهد متغيرا سياسيا جوهريا بالعودة للملف التفاوضي، بالقفز عن شرط وقف الاستيطان مقابل "رشاوي اقتصادية"..
استقالة فياض سياسية بامتياز، ولذا من حق أهل فلسطين على د.سلام أن يقول الحقيقة فيما كان سببا لها، وبالقطع ليست من بينها "صرخات" برزت من هذا أو ذاك تطالبه الرحيلا..احتراما لشعب فلسطين ولوعيه العام نتطلع لكشف كل "ملابسات الاستقالة"!
ويبقى السؤال هل يترأس الرئيس عباس الحكومة الجديدة مؤقتا، حتى التوافق على حكومة بموافقة حماس والفصائل.. قد يكون هذا هو الحل لمرحلة "التنيمة الاقتصادية" القادمة التي وعدت بها أمريكا واسرائيل، لنكتشف أن صاحب مشروع "السلام الاقتصادي" لم يكن "سلام فياض"..
وسيكون لاستقالة فياض "فوائد جانبية" عدة..ستظهر قريبا وقريبا جدا، بأن "الخداع السياسي" لن يستمر..المهم د. فياض لا تتراجع وامض بقرارك الذي تأخر كثيرا، ونظف ما يمكنك تنظيفه من "شوائب" علقت كي لا تصبح "شماعة" للمخادعين!
ملاحظة: ما هو السر الذي جعل أردوغان يؤجل زيارته لقطاع غزة ولقاء قادة حماس الى ما بعد زيارته لواشنطن ولقاء أوباما.. الشاطر يخبرنا وبدون فلسفة!
تنويه خاص: فتح وحماس كل منهما اعتبر نتائج بير زيت الطلابية دليلا على قوته وتصويتا لسياسته.. متى يمكن التعامل بطريقة أكثر احتراما للعقل..ومتى تخجل "القوى الديمقراطية" من سلوكها..تفتتها أضاع عليها مقاعد ما كانت تذهب لطرفي الأزمة!
























