تقرير:فرح كيلاني
نابلس (خاص ) - نوى : أم عطا تتمتم صباحا ومساءا، وتلعن الغربة في السر والعلن، تنتظر بفارغ الصبر عودة ابنها من سفر طال، ولم تعد قادرة أن تحصي له أيام وسنوات البعد. ما عليها إلا أن ترسل لعطا بأن يجمع أمتعته ويعود، فهي تملك قطعة أرض ورثتها، تعده بأن تتخلى عنها لتسد كل احتياجاته، ولعلها أيضا تسد تكاليف زيجته بأحسن الأحوال، وقد تشترى له سيارة .. هي ترفض أن تدرك دوافع هجرة ابنها، كل مبتغاها الأن أن تراه أمام عينيها، فالغربة موجعة وأن كان الفقر في الوطن غربة ايضا.
بدأ اسلام قباهة خريج كلية تكنولوجيا المعلومات بالحديث عن سفره للعمل خارج فلسطين بقوله" السبب الوحيد هو قلة فرص العمل في الوطن، وفي حال توفرها ستكون حتما متدنية الراتب، لذلك قررت السعي من أجل العمل في دبي، والسبب في اختياري لإحدى دول الخليج هو مستوى المعيشة العالي، والوظائف الشاغرة هناك".
ويضيف " ما يتعلق بالصعوبات التي قد أواجهها هو أمر لا سواه حيث أن عدم التأقلم في أجواءِ بعيدة عن الأسرة هي غربة بحد ذاتها صعبة دون شك."
ويؤكد قباهة على أنه لن يُكتب عليه قدر المهاجر، لأنه سيعود فوراً لتحقيق المراد المادي والشروع بتأسيس مشروع خاص به في ربوع وطنه.
الهجرة والاغتراب
مصطلحان مختلفان يعتقد البعض أن لا فرق بينهما، فلا بد من معرفة الفارق بينهما، فالهجرة أن يترك شخص أو جماعة من الناس مكان إقامتهم لينتقلوا للعيش في مكان آخر، مع نيّة البقاء في المكان الجديد لفترة طويلة، غالبا ما تكون أطول من كونها زيارة أو سفر، والهجرة إما أن تكون داخلية؛ أي داخل حدود الدولة، أو خارجية أي خارج حدودها.
أما الاغتراب فهو ترك بلد ما إلى بلد أفضل حسب ما يرى المهاجر، وتارة تكون لحفظ الحياة أو طلباً للعلم أو للعمل أو لتحقيق مستوى معيشة أفضل من حيث الدخل والإنتاج وما شابه.
ويرى الدكتور المغترب محمد أبو الرب والذي يمكث الأن في (فيينا) ليكمل مسيرته التعليمية أن حال مغترب عن آخر يختلف في معظم الأوقات؛ فالمغتربين منهم الميسور ولديه فرصة عمل تغنيه عن العودة لبلاده، ومنهم من تغرب بحثا عن رزق لم يجده في بلده، ويشير الى أن الشعور بالغربة مرتبط بالتقييم السابق، فهي موحشة للأشخاص العاطفيين بطبعهم، ولذوي الانتماء الوطني والثقافي.
ويوضح أبو الرب: "من هنا تنطلق قضية الاختلاف الثقافي ومدى قدرة المغترب على أن يتكيف مع ثقافة جديدة لربما يحسن ذلك ويطور وعيه، ومنهم من ينعزل كليا عن الثقافة الجديدة خوفا من التغيير، ومنهم من ينصهر في ثقافة المجتمع الجديد ومع مرور الوقت يصاب بانفصام في الهوية، وهم غالبا ممن اعتادوا الغربة وتغلبوا على شعور الحنين للوطن والأهل والثقافة، وبعضهم ربما يتولد لديه ردة فعل سلبية تجاه الثقافة الأم."
الاغتراب والهجرة والاحتلال
ظاهرة الاغتراب لم تكن بالأمر الملفت قبل أعوام، وأخذت بالتصاعد من جديد، لتعصف داخل المجتمع الفلسطيني حين يعزم الشباب على حزم أمتعتهم والمغادرة إلى بلد يجدون فيه الأمن والاستقرار والكرامة، فلا يستبعد مدير شركة "فرصة" للتوظيف والتأهيل "زكي خلف" وجود يد إسرائيلية للتحفيز على الخروج اغترابا وهجرة، مشيرا إلى أن أكثر الراغبين في الهجرة هم الشباب، بغض النظر عن الحالة الاجتماعية أو الدين أو التعليم أو منطقة السكن.
ويذكر خلف في حديث مع (الجزيرة نت)، أن معظم الشباب يسافرون بتأشيرات عادية من السفارات في القدس، والبعض الآخر يحصل عليها من سفارات تلك الدول في الأردن، ويحصلون على إقامات دائمة أو مؤقتة بعد السفر.
وأوضح خلف مستندا إلى بيانات سابقة نشرها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني: "نحو عشرين ألف فلسطيني هاجروا خارج البلاد، و220 ألف شاب فلسطيني يعانون من البطالة ويرغبون في البحث عن فرص عمل في الخارج، وأضاف:" عدد ممن استقروا في السويد شجعوا أقاربهم وأصدقاءهم على اللحاق بهم، وقرابة الأربعين ألفا لا يزالون على قائمة الانتظار علّ إحدى الدول المعنية بطلباتهم تشفع لهم".
الاغتراب والهجرة: الدوافع والأشكال
مديرة مكتب الكايد للسياحة والسفر السيدة لطيفة حسين، تتحدث عن قلق السلطة الفلسطينية إزاء تزايد أعداد الشباب والمتعلمين الذين يتصدرون القائمة في المغادرة بقولها" أصبح مؤخرا هناك رقابة على مكاتب السياحة، فأعداد الشباب المتوافدين للمكتب، ورغبتهم الملحة في السفر والعمل في الخارج تتصاعد تدريجيا، وتضيف "أشهد حالات زواج لبعض الشباب من الخارج للحصول على جنسية البلد الذي يقيمون به، وخير مثال على ذلك الزواج من فتاة مصرية لرداءة الوضع الاقتصادي في مصر، أو فتاة أمريكية، لأن الشاب يعلم أنه سيحصل على الجنسية بمجرد الزواج من امريكية، والأهم من ذلك تكريس فكرة عدم التكبد بتكاليف المهر، وتضيف: "لا يقتصر السفر على أمريكا أو كندا بل شمل المغرب، للحصول على الجنسية الفرنسية حال الزواج من مغربية.
يقول المحاضر في قسم علم الاجتماع بجامعة النجاح الدكتور عمر عايد والمغترب لمدة 31 عاما في نيويورك "أن ما تقدمه بعض الدول مثل أمريكا من تسهيلات للمتوافدين إليها من دول أخرى هو في الحقيقة تحفيز لهم؛ كأن يدرس الشخص المغترب في إحدى الجامعات لعشر سنوات ثم يحصل على التقاعد ليحفظ حقه في الفوائد الصحية والتأمين".
ويؤكد د.عايد على أن الدافع لاغتراب الشباب الفلسطيني هو الوضع السياسي والاقتصادي القائم الذي يجبرهم اللجوء الى بلد اخر يحتويهم، ويقدر أفكارهم وقدراتهم الإنتاجية، يليه مباشرة عدم توفر معظم التخصصات في دراسة الماستر لمن يرغب بمتابعة مسيرته العلمية في المجال الذي يهوى، ويتابع" لا اعتقد أنها مشكلة إذا حبذ المغترب السفر لفترة وجيزة والعودة لفلسطين، فالإيجابيات تطغى على السلبيات هنا، ولو كنت بمكان الإدارة الجامعية لأتحت الفرصة لأي طالب وطالبة لأن يمر بمثل تلك التجربة، لتفتح أمامهم أفاقا واسعة تمكنهم من اكتساب أفكار ولغات جديدة، ليعودوا وبيدهم سيفا يشهرونه بوجه عدوهم، في حال أراد عرقلتهم وتجريدهم من عقولهم مقابل أمورِ لا تستحق.
حمزة البخاري 28 عاما غادر فلسطين قبل سنتان ليعمل مديرا في سوبر ماركت في نيويورك، بدعوة من زميله الأمريكي ديفيد المتطوع في مركز "البروجكت هوب" لممارسة اللغة الانجليزية بطلاقة، ويعزو سبب سفره إلى الوضع الاقتصادي السيء، وعدم توفر فرص عمل بعد محاولات عديدة للعثور على عمل ، إضافة الى مشكلة المحسوبية في الوظائف، والتي تعرض لها عندما أقبل للعمل في احدى المؤسسات التي أعلنت حاجتها لمحاسب.
يقول حمزة" أمريكا بلد الديمقراطية وبلد الحريات والفرص، وتقتصر الصعوبات التي واجهتني في البداية على كيفية التأقلم فقط، حيث لم أعاني من أي نوع من التفرقة من المحيط، كوني شخص غريب، وأتيت من فلسطين، لكن بالرغم من ذلك لا أفكر بالاستقرار هنا بعيدا عن موطني وعائلتي لذلك أتمنى إيجاد حلول بأسرع وقت ممكن حتى لا تفنى البلاد من شبابها.
ويذكر حمزة أنه ليس من المخجل أن يتجه الشباب للعمل او الدراسة خارج فلسطين لمرحلة مؤقتة فقط، لا الهجرة الدائمة.
الإناث جزء من ظاهرة الاغتراب
ومن الجدير ذكره أن ظاهرة الاغتراب لم تقتصر على الذكور؛ وإنما امتدت لتحلق في سماء الفتيات اللواتي عشن مثل هذه التجربة.
وخير دليل على ذلك أ. خالدة سمور 26 عاما محاضرة في جامعة النجاح تقول" :توجهت للدراسة في بريطانيا مدة سنتان، وأنا مقتنعة تماما بأن فكرة السفر خارج الوطن الأم، والمكوث لفترة من الزمن هي بحد ذاتها تجربة رائعة، تتيح لك الاعتماد على نفسك سواء في الحياة العلمية أو العملية، كما أنها فرصة لتكوين صداقات جديدة وتبادل الثقافات مع الاخرين لأن الكثيرين لا يتقبلون الغريب، فعندما تستقر مع أشخاص تحت سقف واحد تتعدد جنسياتهم، وتعي أن البلاد الاكثر ارهابا بنظرهم هي فلسطين، فأنت تجد الفرصة المناسبة آنذاك لأن تعكس لهم الصورة الصحيحة عن وطنك، حيث أني استطعت أن أعرفهم بعادات وتقاليد وطني فلسطين، فما كان إلا كسر للحواجز بيننا.
وتؤكد أ. سمور أنها لن تتوقف هنا، بل ستتابع مسيرتها العلمية في الحصول على الدكتوراه في الخارج ايضا، لأن السفر هو رؤية الحياة من منظور آخر ومن المفترض عدم التقوقع في الوطن نفسه، وتتابع "لا أجد في ذلك خطورة على الوطن الأم، فحين تتعلم خارجا تكتسب الخبرات وتعود بها لتنتج ثمار ما حصدت في وطنك، هي خطوة إيجابية ستسهم حتما في تقدم بلدك، إنما تكمن الخطورة حين يختار الشخص المغترب أن يستقر في البلد الذي يقطنه ويقدم إنتاجه لذاك البلد".
كل الأبواب موصدة أمام الشباب الفلسطيني، ففكرة سفرهم إلى الخارج ليس بالضرورة أن تعني تخليهم عن وطنهم، أو أن تكون خطيئة يرتكبونها بحقه؛ فليس لديهم خيار آخر إلا الهروب والبحث عن كرامتهم التي لم يتركها الاحتلال والاقتصاد الضعيف دون مساس، فكل ما يتعرضون له من قمع وحد من حرياتهم في مختلف أمور الحياة، هي وجع آخر يجعل أي شاب يبحث عن السفر والهجرة دون تفكير في العدول عن قراره.
























