المكان: المسلخ ( زنازين الجلمة - زنزانة رقم 34)
صفته: مركز تحقيق قاسي بامتياز .
لقبه: المسلخ ..أو .. مقبرة الأسود.
الزمان: ليس له اعتبار.
مقتنيات الزنزانة: بطانية وبطانية و بطانية و فرشة وذبابة أو اثنتين وأنا.
بعد جوعٍ كافر، تناولتُ عشائي الفاخر (ما يشبه قطعة الخبز وقطعة من حبة طماطم بلا ملح الطعام، باختصار شديد وصفة جيدة لإمساك مؤكد)، أشعلتُ سيجارة وتناولتها بشغفٍ شديدٍ، بعد أن صرختُ كثيرا بحثا عن حارسٍ هنا أو هناك كي يسعفني بنار تشعل سيجارتي وتطفئ جزءً من نقمتي.
كنتُ دائما وما زلتُ، أحلمُ ببيتٍ صغير وقلبٍ كبير، فكانت الزنزانة.
قبرٌ كبير وقهرٌ أكبر، أربعة جدرانٍ سوداء اللون خشنة الملمس، تضمُّ بينها (حمَّاما) وإنسانا دامي العينين، مشتت الذهن، تسكنه الرهبة، والذهول صديقه الحميم، يُخيَّم عليه الصمت، ويرقب الآتي بحيرة وارتباك شديدين .. هو مر الانتظار الصعب في ليلٍ يرفض أن يغادر المكان ، فالزنزانة ليل دائم نجومه هواجسٌ غريبة، تخونني اللغة في وصفها .....
بعد جهدٍ غلبني النعاس وأرداني نائما .. ...
لأن الزمن حاضرٌ غائب، استيقظتُ تخمينا في منتصف الليل، على طقطقة الأقفال وصراخ ٍ لم أعهده من قبل ..
ربما جاء العدد (وهي عادة السجان يقوم بتفحص الأسرى كل يوم عدة مرات).. ربما جولة تحقيق ... ربما شيء آخر ... أصابني هوسٌ برصد الاحتمالات ..
يُفتحُ باب الزنزانة وأنا نصف نائم، وبأقل من لحظة دخل ثلاثة رجال لم أشاهدهم من قبل ، أقلّهم حجما يُقارب طوله المترين، بشرتهم سوداء داكنة كلون الزنزانة ، دخلوا مدججين بالهراوات والبطاريات والحقد والضغينة، صلبوني بلمحة البصر على أحد الجدران وبدأوا بالتفتيش الأمني الدقيق... انتزعوا ملابسي المهترئة
من الأوساخ وبحثوا بين خيوطها عن مجهول، أحدهم بحث في جلدة رأسي عن ضالّته، فلم يجدها، وأخذ الآخر أذني وفمي وأنفي، ربما لا يصدقني أحدٌ عندما أقول أنهم فتَّشوا أظافري وأصابع قدمي، حتى الأماكن الحساسة، تحسسوها جيدا بعد أن أمروني بالجلوس والوقوف عدة مرات (كنتُ كما ولدتني أمي، عاريا من كل شيء إلا من الخوف والرهبة ) لا أعرف لماذا كانوا يصرخون، ربما كانوا مختلفين ببعض مراسم التفتيش، شعرتُ أن أحدهم أراد سلخ جلدي....، ثم جعلوني مسيحا آخر على أحد الجدران، عبثوا بمحتويات الزنزانة وتحسسوا زواياها وأجنحتها، أقصد (الحمام ) فهو ثلث مساحة مخدعي الجديد، خرجوا جميعا وتركوني في زوايا القهر أبحث لاهثا عن أسباب التفتيش.
هل سُرِقَ من مكاتب التحقيق ما يستدعي هذا التفتيش؟؟
هل تسلل الأمل عندي، فجاءوا لاغتياله؟
هل أرادوا انتزاع ما تبقى من قوة لدي؟؟
ربما نعم، أرادوا أن يصادروا أي شيء قد يجعلني أحافظ على هويتي، ويقمعوا كبريائي وعزتي، أرادوا أن يروَّضوا ثائرا لم يعرف
الإذعان من قبل، مهمتهم كانت صعبة سهلة، كيف لهم أن يجعلوني أهاجر من دمي، وكيف لي أن لا أطيعهم، فأكون بلال هذا العصر؟
























