رام الله - نوى ( تقرير خاص ) - الواثق طه:
"تيتي .. تيتي.." هكذا عبرت الصحافية سونا الديك عن موقفها ورأيها في زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى فلسطين، لتختصر بهذه العبارة كل القول الذي يعبر عن استياء المواطنين الفلسطينيين من السياسة الأمريكية المنحازة لحكومة الاحتلال، وعدم اقتناعهم بأن تُبشر الزيارة بجديد يحرك المياه الراكدة في العمل السياسي، أو تقديم حلول للأزمات التي يمر بها الشعب المثقل بهموم في أغلبها صنيعة تعسف الاحتلال ونهجه في التضييق على كل مناحي الحياة.
وفي استقراء للآراء، حول المواقف والتوقعات من زيارة قائد العالم الحر الجديد كما يصفه الإعلام الأمريكي، يقول الصحافي فراس طنينة مراسل وكالة معا الإخبارية: " لا أعتقد أن يأتي الرئيس الأمريكي وهو يحمل في جعبته أي جديد في ظل إعلانه المسبق عن الطبيعة الاستكشافية للزيارة بالاستماع لوجهتي النظر الفلسطينية والإسرائيلية، وممارسة الضغط على القيادة للعودة للمفاوضات عبر تهديد بحصار سياسي واقتصادي، لكنها لن تستطيع انتزاع ذلك لاسيما والقيادة الفلسطينية تؤكد بأن العودة للتفاوض لن تتم دون الاعتراف بحل الدولتين ووقف الاستيطان والإفراج عن الأسرى.
ويختتم طنينه قائلا: "الزيارة لن يكون لها قيمة أبعد من تعزيز الدعم لإسرائيل، والتقاط الصور التذكارية".
ولم تختلف التوقعات ولا التقييمات كثيرا، فشعب اعتاد الانحياز الأمريكي للموقف الإسرائيلي والذي تجلى بشكل واضح في عهد أوباما بالوقوف ضد التصويت لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، واتخاذ إجراءات عقابية مباشرة وغير مباشرة عبر حلفاء واشنطن؛ لن يتوقع سوى مزيد من التضييق وخيبة الأمل.
فتقول المذيعة "هبة عريقات":" الفلسطيني لا يقول سوى أهلا وسهلا، ولا يتوقع سوى أن تكون مجرد زيارة مثل غيرها من الزيارات الرسمية المختلفة التي لا تقدم ولا تؤخر، مع أني أتمنى أن تجلب تغييرا على الصعيد السياسي".
وتتابع: " سيكون هناك دفع تجاه المفاوضات، مع الانحياز للإسرائيليين بما يضمن لهم مزيدا من التملص من الالتزامات والقرارات الدولية".
الحراك الجماهيري وتردد القيادة
وفي ظل الحالة الراهنة وما يشوبها من قلق، وتململ شعبي، ينظر البعض إلى أهمية توظيف الحراك الجماهيري في الضغط على الاحتلال، والتأثير على الموقف الأمريكي، وهذا ما بدأه بالفعل نشطاء عبر صفحات فيسبوك وعلى الأرض من السعي للتعبير عن الاستياء بشكل علني، وذهب آخرون إلى رفض الزيارة واستقبال "أوباما"، فانتشرت عبر مواقع التواصل الإلكتروني أغانٍ، وتصاميم متنوعة تحمل رسائل مختلفة بمضمون لا يرحب بالرئيس الأمريكي وموقف إدارته من الصراع، وانتشرت دعوات للتظاهر ضده والضغط لعدم استقباله، وفي أقل تقدير أن لا تكون فلسطين مفروشة له بالورود، وفق تعبير أحد نشطاء موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.
وخرجت عشية الزيارة تظاهرات احتجاجية في رام الله وبيت لحم ضد أوباما، حمل فيها المحتجون الأحذية والشعارات الرافضة للقاءات "الاستكشافية".
"أعتقد ان الزيارة لن تحمل معها أكثر من تحميل القيادة الفلسطينية مسؤولية الجمود السياسي، ورسالة تطمين للجانب الاسرائيلي وبالتالي الضغط على السلطة للعودة الى طاولة المفاوضات" تقول الناشطة والكاتبة "سمر الأغبر".
وتنتقد الأغبر موقف السلطة وتقاعسها عن طرح آليات عمل واضحة للتعامل مع وضعها القانوني في مؤسسات الأمم المتحدة بعد حصولها على عضوية الدولة بصفة مراقب، ليشكل لها دعامة رئيسية لتحسين وضعها أمام العنجهية الإسرائيلية وسياستها القائمة على استمرار الاستيطان، وعدم التزامها بأقل الشروط الممكنة للسير قدما فيما يُسمى بـ "عملية السلام"، وتضيف: "الزيارة لن تجيب عن الحد الأدنى المأمول منها".
ويقول الباحث د. محمد الأسمر: " تهدف الزيارة إلى تحريك المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ولتطبيع العلاقة مع نتنياهو، والتأكيد على التزام الولايات المتحدة بمصالح إسرائيل في تنظيم خارطة المنطقة في ظل تعثر القيادة الفلسطينية وترهل أدائها وقصورها في تكريس التصويت في الأمم المتحدة على أرض الواقع".
وطالب "الأسمر" القيادة الفلسطينية التأكيد على الثوابت تجاه عملية السلام بوقف الاستيطان والتعامل مع الاعتراف بالدولة بمتطلبات الأمر الواقع وقضية الاسرى وتعزيز الحراك الشعبي لتجسيد ما هو أفضل من الحالي.
وتابع: "الموقف الحازم يجب أن تعلنه القيادة الفلسطينية للأمريكان بضرورة تنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وهذا من شأنه يبعد شبح المفاوضات العقيمة التي يهدف أوباما على تحريكها."
الإفادة إعلامية، وتكريس لمراكز النفوذ الأمريكي.
بتسليط الأضواء إعلاميا على أهمية الزيارة، واهتمام العالم بخط سير الرئيس الأمريكي، وفي ظل التداخلات في المصالح والمعادلات الإقليمية المتشابكة التي تشهدها المنطقة؛ يرى الباحث والكاتب "م. عبد الغني سلامه"، أن الزيارة لن تقدم شيئا جوهريا، ولن تكون أكثر من محاولة لتقريب وجهات النظر بين القيادة الفلسطينية وحكومة تل أبيب، وإن كان الفلسطيني سيستفيد منها فلن يكون بأبعد من الجانب الإعلامي – من وجهة نظره.
وأشار "سلامة" إلى فشل المنظومة العربية من الاستفادة من الفترة الأولى من حكم الرئيس "أوباما" سيما بعد خطاب القاهرة الذي كان من وجهة نظره فرصة ذهبية للعرب والقضية الفلسطينية.
ويقول: " لم يستغل أحد خطاب أوباما في القاهرة إبان فترته الأولى، وأخفق العرب في التقاط الرسالة وبحث أوباما عن تحالفات جديدة في المنطقة، في حين أدرك الإسرائيليون ذلك واستطاعوا التوصل إلى خطاب ثابت يواجه الرئيس الأمريكي ويتقاطع في ذات الوقت معه، لذلك لن يبتعد الرئيس الأمريكي عن المصالح الإسرائيلية في ظل عدم توفر خطاب وموقف عربي داعم للمصالح العربية، ومؤثر على الموقف الأمريكي الذي لو ضمن توفير خدمة للتحالف الحاكم في الولايات المتحدة من رؤوس أموال عابرة للقارات، وسياسيين، وعسكريين ونفطيين – وهم الأهم لدى الإدارة الأمريكية ومصالحها العليا واللعبة الانتخابية - فلربما يكون أكثر مرونة وحزما في قضية الشرق الأوسط".
بدوره قال الصحافي نضال أبو عليا: " لست ضد الزيارة، فهذا بروتوكول طبيعي بكل تفصيلاته، ومن الطبيعي أن يزور أي كان بلدا يرغب بزيارتها، وربما يجب على الإعلام الفلسطيني والقيادة السياسية استثمار الزيارة في تكريس مفهوم الدولة وسيادتها، إذا أدركنا أنه أول رئيس امريكي يزور "دولة فلسطين" بعد حصولها على الاعتراف والعضوية المراقبة بصفتها "دولة" في الأمم المتحدة".
ويتابع: "لا أتوقع الكثير من أوباما، وبكل تأكيد لن يحاول سوى الضغط علينا من أجل التفاوض في ظل الموقف الرافض للعودة للمفاوضات دون أسس، أهمها تنفيذ حل الدولتين بشكل مباشر ووقف الاستيطان".
والجدير ذكره أن الرئيس الأمريكي وعشية قدومه لفلسطين أعلن عن إلغاء زيارته للمسجد الأقصى، وهو ما اعتبره مراقبون تراجعا أمريكيا يضع في عين الاعتبار أهمية الرسالة السياسية التي تتضمنها تحركاته. وأشار أحد الناشطين "رفض ذكر اسمه" إلى أن زيارة الأقصى بمرافقة إسرائيلية سيعني ضمنيا -بالضرورة – أن الولايات المتحدة تتحدى قرار الأمم المتحدة المعترف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية بشكل علني، علاوة على ما يمثله ذلك من دلالات تستفز مشاعر الشعب الفلسطيني على الصعيدين الديني والسياسي.
هكذا يرى الفلسطيني زيارة أوباما، فهي لن تقدم أي جديد لوضع شعبي متأزم، وترقب لانفراج سياسي لن يأتي لينعكس بثماره على الحالة العامة المختنقة بالتضييق الإسرائيلي، وعجز رسمي فلسطيني، ليبقى المراقب للحالة الفلسطينية يتوقع انفجارا للأوضاع كنتاج طبيعي للضغط المتواصل وغياب الأمل بتحسن الظروف.
























