بقلم - د. موسى برهومة*
بينما كنت وأبنائي نتابع إحدى حلقات مسلسل مصري، وإذ بشاب يسكب، في أحد المشاهد، كازاً على أبيه الموثق إلى كرسي، ويشعل فيه النار انتقاماً، فيما تعلو صرخات الأب وتوسلاته وهو يتحرك بالكرسي المشتعل ببدنه، محاولاً النجاة من غرفة/ قفص أحكم الابن أبوابها ومضى.
وعلى الفور ذكّرني أحد أبنائي بأن المشهد يضاهي ما جرى للطيار الأردني معاذ الكساسبة، علماً بأن المسلسل واسمه "ابن حلال" عرض العام الماضي، ما يعني تاريخياً أنه أسبق من فعلة تنظيم "داعش"، لكنه لا يعني بالضرورة أن "المجاهدين" في "داعش" تابعوا المسلسل، لأن ذلك رجس من عمل الشيطان، يُعاقب من يقترفه بالإحراق!
بيْد أن ما يعنيه مشهد الإحراق أن "داعش" ليس نبتاً شيطانياً، بل هو "ابن حلال شرعيّ" لمنظومة الثقافة العربية الإسلامية في مستوييها الشعبي والرسمي. ومن هذه المنظومة ينهل "داعش"، وبمرونتها، النصية باعتبار المرجعية الدينية حمّالة أوجه، يحتمي ويتمترس ويبرّر، من دون أي حرج أو غضاضة.
وكنا قد ذكّرنا في مقال سابق، كيف أعدم الكاتب عبد الله بن المقفع حرقاً، في أوائل حكم العباسيين، بأمر من سفيان بن معاوية أحد ولاة المنصور. وكان قتله وشيّه بالنار أشبه بحفلة "باربكيو"!!
وتذكر الروايات التاريخية التي ننهل منها أغلب سردياتنا، أن الإعدام حرقاً قدفرضه الخليفة أبو بكر على رجل يدعى الفجاءة السلمي، وكان قد نقل إليه إنه "يُؤتى من دبره كما تؤتى النساء"، وهو من الأمور التي لم يتعودها عرب الجاهلية وصدر الإسلام، كما يشير إلى ذلك، في دراسة ضافية، الباحث العراقي هادي العلوي.
وورد في حروب الردة ما يدل على أن أبا بكر ضمّن تعليماته لقادة الجيوش التي أرسلها لمحاربة المرتدين أوامر بالإحراق. وروى الطبري هذا الأمر في كتابين له. ويخبرنا البلاذري في "فتوح البلدان" أن خالداً بن الوليد أحرق بعض المرتدين بعد أسرهم، وأن اعتراضاً من الصحابة قدم لأبي بكر ضد هذا الإجراء، فردهم أبو بكر قائلاً: "لا أشيم سيفاً سلّه الله على الكفار".
واستعمل بعض ولاة الأمويين عقوبة الإحراق ضد الثائرين عليهم، إذ تمّ إحراق المغيرة بن سعيد العجلي حياً بأمر من خالد القسري حاكم العراق، وقد طور العباسيون في وقت لاحق هذا "الفن" إلى شي الضحايا فوق نار هادئة. وهو ما فعله المعتضد بحق محمد بن الحسن المعروف بشيلمة أحد قادة الزنج في البصرة، وكان المعتضد قد أعطاه الأمان ثم اكتشف أنه يواصل نشاطه المعادي سراً فأمر بنار فأوقدت، ثم شُدّ على خشبة من خشب الخيم، وأدير على النار كما يدار الشواء حتى يتقطع جلده ثم ضربت عنقه.
ويورد ابن كثير في "البداية والنهاية" أن نصرانياً كان يشرب الخمر مع مسلمة في نهار رمضان، فحكمَ نائب دمشق للمنصور ابن قلاوون بإحراق النصراني وجلد المرأة، فأحرق بسوق الخيل.
وتحفل كتب التاريخ بصنوف التعذيب التي مارسها القواد والولاة والخلفاء ضد مخالفيهم، وهو، وإن كان بعضه مبالغاً فيه، لكنه لا يخفي وجود النزعة والممارسة والحوداث التي تدعمها، ما يعني أن العنف الذي تمارسه جماعات التكفير الإرهابية ليس ولداً لقيطاً بلا آباء، بل له أباء وأجداد تمتد "قرمياتهم" إلى أكثر من ألف عام؛ فالمؤرخ الطبري يورد مثالاً لقائد القرامطة الحسين بن زكرويه، وكان أسر مع عدد من أصحابه، وجيء بهم إلى بغداد ليعدموا، حيث يروي:
"بُنيت دكة في مكان عام، ونودي على الناس لحضور حفلة الإعدام، وبدأوا يقتادون الأسرى واحداً واحداً، وكان الرجل يُؤخذ ويُبطح فتُقطع يمنى يديه ويُحلَّق بها ليراها الناس ثم ترمى. ثم تقطع رجله اليسرى ويُحلَّق بها لنفس الغرض وترمى، ثم يسرى يديه فيمنى رجليه، ويرمى بكل ما يقطع إلى أسفل، ثم يقعد فيُقطع رأسه ويُرمى به مع جثته إلى أسفل.
وقدم حسين بن زكرويه وضرب مئة سوط، وقطعت يداه ورجلاه، وكوي بالنار فغشي عليه، فأخذ خشب فأضرمت فيه نار ووضع في خواصره وبطنه فجعل يفتح عينيه ثم يغمضهما، فلما خافوا أن يموت ضربوا عنقه. ورُفع رأسه على خشبة، فكبّر الجلادون من فوق الدكة، وتبعهم سائر الناس بالتكبير".
تكبير..!!
* كاتب وباحث أردني
عن موقع "ذوات" صحيفة ثقافية فكرية
























