شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 24 سبتمبر 2026م11:09 بتوقيت القدس

في انتظار أن أسمع صوتك على الهاتف!

05 مارس 2015 - 16:46
الشاعر والكاتب خالد جمعة
الشاعر والكاتب خالد جمعة
شبكة نوى، فلسطينيات:

بقلم – خالد جمعة:

في يومٍ من أواخر صيف 1989، التقيتُه، كنت قد سمعتُ مجموعة أغنيات مسجلة على كاسيت في بيت من بيوت مخيم الشابورة، تسجيل رديء بسبب عدم القدرة على التسجيل في استوديو، وبسبب الخوف من ملاحقة الاحتلال لمثل هذا النوع من الأغاني، كانت الكلمات للشاعر المرحوم عبد الحميد طقش، وعندما قدم لي أحد الأصدقاء هذا الشاب الوسيم وغير المركز في شيء، قلت له: صوتك جميل وألحانك أجمل، فقال: ربما نتعاون يوماً ما، وقرأ بعض الأشياء مما أكتبه بعد أن دعوته لفنجان قهوة، وبمجرد أن دخل بيتنا، جلس بجوار والدي الذي كان يصنع القهوة على الكانون، وبدآ في حديث كأنهما أصدقاء منذ ما قبل النكبة، بالمناسبة أبي لم يكن سريع الانفتاح على الآخرين.

سافر محمود العبادي إلى الخليج بعد هذا اللقاء الوحيد، وعاد بعد سنة، فوجدته بباب بيتنا، أهلاً، أنت في البلد، فقال: جئت منذ ساعات، لكني لم أنقطع عن التفكير فيك كل الوقت وأنا في الخليج، لذلك وضعت حقائبي وجئت لأزورك، وبهذه الجملة بدأت علاقتي مع محمود العبادي ليلحن لي 35 أغنية، وبعض الأغاني الأخرى ما زالت كلماتها لديه ولم يلحنها بعد، واختفى محمود العبادي مع من اختفوا في القارب المتجه إلى إيطاليا، وهو بعد لم يبلغ حلمه المئوي، اختفى ولم يسجل من أغانيه إلا ثماني أغاني، والباقي متناثر على جوالات الأصدقاء هنا وهناك، محمود لم يعد يغني.

منذ أن عرفته قبل خمس وعشرين عاماً، لم يتغير، تمشي جواره في الشارع، فيخرج من جيبه نصف سيجارة ويشعلها ويدخنها بلذة، يقف لينظر إلى وردة نبتت في جذر جدار، أو يستمع إلى صوت فيروز قادماً من جهاز بعيد وسط ضجة عمال بناء، أذنه كانت تصفي الموسيقى من كل الشوائب المحيطة بها.

بيته كان في تل السلطان في مدينة رفح، وعندما زرته في هذا البيت للمرة الأولى، أمسك بالعود، وأمسكت بالقلم، وبدأنا عادةً سنمارسها لسنوات طويلة لاحقة، فكتبت له:

كتبتك

ع صوت الريح

ورسمتي عالشتا لوني

ونمتي في ندى عيوني

وبدأ في غنائها في الجلسات، فأعجبت الأصدقاء بطريقة لم نتوقعها أنا ومحمود، لنعمل لاحقاً عدداً كبيراً من الأغاني والمسرحيات والأوبريتات، عملنا أغاني مضحكة لأفلام كرتون، وعملنا أغاني حزينة لأم تغني ابنتها التي ماتت في انفجار، عملنا أغاني لجمال فلسطين، وأغاني للجدات، أغاني للأطفال، وأغاني للقدس، أغاني للحب وأغاني للبحر، أغاني لكل ما كنا نحسه إحساساً مشتركاً.

كنا نحب اللهجة الفلسطينية القديمة، وأذكر كم كنا نبحث في جذور الكلمات، وذات يوم جلسنا لنتذكر كم مفردةً يمكننا أن نخرج من اللهجة تدل على الصفعة، ضربو كف، سفقو كف، نتفو كف، خبطو كف... فوصلنا إلى سبعين مفردة تقريباً، وبعد أن انتهينا، قال محمود: أخطأنا أننا لم نكتبها في ورقة فأنت تعرف أنني أنسى، فقلت: نعم لكنني لا أنسى، فضحك.

محمود كان شخصاً هادئاً بشكل عام، لم يكن يعنيه المال، لم تكن تعنيه الشهرة، لم يكن لديه أي حس بالامتلاك، ذات مرة، زار الشيخ إمام في منزله، فوجده يعزف على عود قديم متهالك، أوتاره تصدر أصواتاً غير منسجمة، وحين عاد ليزوره مرة أخرى كان يحمل معه عوداً فخماً أهداه للشيخ إمام، فلم يجد الشيخ إمام إلا عوده القديم ليهديه لمحمود بدلاً من هديته، ولكن محمود لا يعرف أين ذهب عود الشيخ إمام، قال لي: ربما نسيته في مكان ما، أو أن أحداً لا أذكره أخذه ولم يعده، هكذا كانت علاقة محمود بالأشياء، لم يشعر يوماً بحاجته إلى تملك شيء.

في يوم من الأيام، كان لدي عملية لتفتيت الحصوة، واتصلت بمحمود فأتى ووقف إلى جواري أثناء العملية التي يعطون فيها بنجاً من النوع الخفيف، وعندما أفقت من البنج قال لي: أترى هذه التسطيلة الخفيفة التي أنت فيها، فقلت نعم ما بها؟ فقال: نفسي فيها.

محمود كان ملحناً من نوع نادر، يستطيع أن يحول ألحان التراث عبر حركة بسيطة إلى لحن آخر لم تسمعه في حياتك، لكنه شديد الألفة مع القلب، شديد التوهج، لم يسمعه أحد ولم يذب تحت سحر اللحن، حتى الموسيقيون الذين من المفترض أن ينافسوه لم يستطيعوا إخفاء إعجابهم بما يصنعه من ألحان، كان اللحن يخرج من بين يديه ببساطة ويسر، لم أضبطه يوماً متعسراً في لحن، ولم يكن لديه لحن غير جميل طوال مسيرته مع الموسيقى.

حين بدأ بتعلم الموسيقى في مصر، اشترى عوداً واستطاع أن يضبط أوتاره قبل أن يتعلم العزف لدرجة أن مدرس الموسيقى لم يصدق أنه فعل ذلك، فقال لمحمود: الدوزان هو آخر شيء يمكن أن يتعلمه العازف، لأنه صعب وبحاجة إلى حساسية مفرطة، فقال محمود ببساطة: لكني دوزنته على نغمة أم كلثوم "هات عينيك تسرح في دنيتهم عينيا"، فالفرق بين كل وتر والذي يليه هو الذي يصنع بداية المقطوعة، فانتبه المدرس إلى أن كلامه صحيح، وأصابته الدهشة، لكن محمود لم يكن مندهشاً من نفسه.

مرت الأيام بيننا، يومياً تقريباً، نخرج، نصطاد اللوز على أشجاره، نغني بين أشجار البرتقال، نزور صديقاً قديماً، نشاهد فيلماً، نكتب أغنية، نفعل كل ما يفعله صديقان مجنونان لا يهتمان بالعالم، أحبته أمي وأحبه أبي كأحد أفراد الأسرة، وظلت أمي إلى يوم رحيله كلما كلمتها سألتني: شو أخبار العبادي لسه بيدندن؟ وكان هو بدوره يحبها، ويعزف لها ميلي يا سمرة ميلي، ونورتي داري يا غزالة، وحين كنا نختلف على كلمة من كلمات العامية الفلسطينية، كنت أقول له: أمي تقول ذلك، فيقول: بعد الحجة ما بنقدر نحكي اشي، إذن الكلمة مزبوطة.

محمود لحن حوالي 100 أغنية، كلماتها للشاعر عبد الحميد طقش، لي، للشاعر خالد عبد الله، لشعراء من مصر، لشعراء من الخليج، لحن وغنى للأرض، للشجر، للعصافير، للأطفال، للشهداء، للمعتقلين، غنى لكل شيء...

في السادس من أيلول من عام 2014، خرج محمود على متن القارب الذاهب إلى إيطاليا من ميناء الإسكندرية المصري، وما زلت إلى الآن أعتقد أن هذا أحد غياباته التي كان يقوم بها كلما ملّ الوجود، والأشخاص والأشياء، وبانتظار أن يدق جهاز الهاتف في أي لحظة لأسمع صوته يسأل:

معندكش كلمات جديدة؟

كاريكاتـــــير