شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 24 سبتمبر 2026م18:38 بتوقيت القدس

في بيتنا داعش!

26 فبراير 2015 - 21:22
الكاتب الدكتور عدنان جابر
الكاتب الدكتور عدنان جابر
شبكة نوى، فلسطينيات:

بقلم - الدكتور عدنان جابر

لم تنزل داعش، وأشباهها، من السماء العربية بالمظلة. ومع أن أفعالها تنافس أفعال الشياطين، إلا أنها ليست نبتاً شيطانياً، ظهر هكذا فجأة، بلا خلفية ولا سياق ولا بيئة.

مثلما تعكس نقطة الماء بيئتها، من حيث النظافة والتلوث، هكذا تعكس الجريمة بيئتها، من حيث الخلفية والأسباب والمناخ.

وكما أنه ليس من المنطقي الفصل بين الجريمة والمجرم، كذلك ليس من المنطقي الفصل بين المجرم وبيئته الاجتماعية والثقافية والتاريخية، خاصة إذا تحدثنا لا عن الجرائم الفردية "العادية"، بل الجرائم ذات الوزن الثقيل، اجتماعياً وسياسياً ونفسياً.

لذلك، يجدر بنا أن نقارب موضوع داعش، مقاربة تتجاوز الإدانة والشجب والاستنكار والاستفظاع، على أهميته، إلى مقاربة مركبة تذهب إلى التاريخ والأعماق والأسباب.

داعش لم تأت من فراغ، هي امتداد لـ "القاعدة" والنسخة الأكثر تخلفاً وهمجية ووحشية في واقعنا العربي الإسلامي الراهن، تستند في وجودها وعقليتها إلى وضع التنابذ والاحتراب في العراق وسورية وإلى تأويل ديني متعصب ومتزمت ينحو إلى التكفير والإقصاء والعنف المفرط.

انطلاقاً من مصالحها ورؤاها، تعطي الدول الغربية اهتماماً خاصاً لتجفيف منابع تمويل التنظيمات الإرهابية المتطرفة، ولكن ماذا عن المنابع الفكرية والتربوية والسياسية؟ كيف وعلى أي أساس ينبغي التعامل معها؟

لا يجدر بنا رمي مشاكلنا البنيوية على الآخرين. إن إبطال الأسباب الداخلية الفكرية والتربوية والسياسية للإرهاب والتطرف في حياتنا العربية مهمة تقع على عاتقنا، ولا يمكن للآخرين القيام بها نيابة عنا.

وإذا كان وجود إسرائيل وممارساتها ودعم الولايات المتحدة لها يشكل منبعاً للإرهاب والتطرف، وهذا صحيح، فليس من الصحيح حصر كل شيء بهذا المنبع، واللجوء إلى الإحالة إلى الآخر، والتعامي عن منابعنا البنيوية وإعفاء مجتمعاتنا وأنظمتنا وحكوماتنا من الدور والمسؤولية.

- أليس الصراع الطائفي في العراق الذي قاده نوري المالكي والإقصاء الطائفي والمذهبي وقتل كل من يحمل اسم "عمر" هو داعش؟!

- أليست حرب نظام بشار الأسد ضد شعبه وقتل الناس بالبراميل والغاز الكيماوي وتحت التعذيب في المعتقلات وحرق البيوت ومناطق بأكملها هو داعش؟!

- أليس التنابذ الطائفي في لبنان، وعدم قبول الطوائف لبعضها البعض، والصراع داخل الطائفة ذاتها، هو داعش؟!

- أليس صراع السلطة والاقتتال الدامي بين حركة حماس وحركة فتح الذي حصل في غزة هو داعش؟!

- أليس انعدام الديمقراطية في دولنا، وعدم الانتقال السلمي للسلطة، واعتقال الخصوم والتعدي عليهم وقتلهم داعش؟!

- أليس رفض الاختلاف، وسهولة التكفير، وعدم احترام العقل والتفكير في بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا وفي حياتنا الاجتماعية والدينية داعش؟!

- أليست الهيمنة الذكورية في مجتمعاتنا العربية، وامتهان المرأة وقتلها بداعي الشرف، والتهاون مع الذكور داعش؟!

يمكننا أن نلخص داعش بكلمتين: الإقصاء والقسوة. وداعش، كتنظيم، عمره بضع سنوات، غير أن الإقصاء والقسوة لدى العرب والمسلمين عمرهما عقود، بل مئات من السنين.

مصيبتنا أننا نرى الشجرة ولا نرى الغابة، نتعامل بالمفرق وتغيب عنا اللوحة والكل، نلتفت إلى الحدث واللحظة ونتعامى عن الخلفية والسياق والنهج.

لا يمكننا تفسير داعش بنظرية المؤامرة. صحيح أن إسرائيل هي المستفيدة الأولى من داعش وأشباهها، لكن لنفترض جدلاً أن داعش هي نتاج مؤامرة وأن قيادتها، أو زعيمها عميل لـ "العدو" أو لهذه الدولة أو تلك، وأن المقاتلين لدى داعش هم أدوات، أو مغرر بهم، ألا يبرز السؤال: هل يمكن أن تسري هكذا مؤامرة دون بيئة تستند إليها وتتغذى منها؟! ألا تحضر هنا أطروحات كثيرة، منها أطروحة المفكر سمير أمين من أن الشعوب المتخلفة تفهم دينها بطريقة متخلفة؟!

ثم هل نستطيع تجاهل هذا السؤال: لماذا، لدى أمتنا وديننا ومنطقتنا بالضبط، من بين أمم وأديان ومناطق العالم، تبرز وتنتشر الآن هذه الحركات الإرهابية المتزمتة الإقصائية والهمجية؟! ولماذا باتت الدول الغربية تعيش الآن هاجس الإرهاب الإسلامي وكيفية مواجهته؟!

إذا نظرنا إلى التاريخ، يمكننا رؤية أنه كان لدى الغرب تزمت وإقصاء وقتل وقطع رؤوس وحرق، لكن هذا ينتمي إلى عصور غابرة أو العصور الوسطى، وقد أنجز الغرب عملية تجاوز تاريخي معرفي، لكن ما يحدث عندنا من إقصاء وقسوة يحدث في العصر الحديث، زمن غزو الفضاء، والحداثة، والمعلوماتية... وهذا ما يضاعف من الإدانة التاريخية والحضارية لنا.

قبل ظهور داعش، وفي ظل وجودها الآن، هناك حركات متزمة وثقافة إقصائية، وإذا كانت داعش هي النسخة الأكثر سوءاً، فهذا لا يعني أن الأسوأ يجعل السيء (أو الأقل سوءاً) جيداً. كذلك لا يجوز رؤية الجريمة الأكثر بشاعة والتعامي عن الجرائم الأقل بشاعة، لا ينبغي الانشغال بوسيلة القتل وتناسي جوهر المسالة وهو القتل، ذلك أن الإنسان لا يتجزأ والحقيقة لا تتجزأ.

نعم، في بيتنا داعش. ليس خفاشاً يحوم في أرجاء البيت حين يسود الظلام، وليس "بعبعا" أو رجلاً مختبئاً في خزانة الملابس يفاجئنا بغلظته وفسقه، بل إن داعش، كعقلية ونفسية وسلوك، موجودة في جملة من الأسباب والوقائع والممارسات والمناخات المستشرية في حياتنا العربية من الاجتماع إلى الاقتصاد إلى السياسة إلى الثقافة، بتفرعاتها جميعاً.

من دون معالجة أسباب تخلفنا، في بيئتنا وفي مختلف مناحي حياتنا، ستستمر داعش وأشباهها، سيستمر السلوك الداعشي، وستنشأ حركات إقصائية همجية بأسماء وصورة أخرى، وسنبقى نواجه مصائبنا بالمفرق، سنظل في المربع الأول، وسنكتفي بالتعجب والحزن، دون تأمل ومنهج وربط وسياق وتجاوز، ناسين أنه "إذا عُرف السبب بطل العجب" وأننا "نحصد ما نزرع".

كاريكاتـــــير