بقلم - عمر كلاب
لا ينفصل نظام الحكم عن الحُكم والدولة في الاردن , وهذا احد ابرز اسباب قوة الدولة وصلابتها التي تظهر في الظروف الصعبة والقاسية بأبهى اشكالها وبعناية شعبية واعية تدرك ان انهيار مفهوم الدولة او انحنائها امام اي عاصفة هو اضعاف لكل مواطن اردني , وبسطت الدولة هيبتها تِبعا لذلك دون عسكرة ودون مظاهر بوليسة وتماثيل للزعيم الملهم , وجميعنا يذكر كيف ازال الراحل الحسين اول محاولة وضع تمثال له بحسم شديد , فبقيت الدولة صامدة وبقي نظام الحكم دون تماثيل في المياديين العامة , فالصلابة احساس عام وشعور جمعي وليس اشارات صمّاء توحي بالقمع والرقابة ليل نهار .
التمثال بصورته العامة شكل احتفالي شعبي بالقادة والرموز لكنه في باطنه عملية تثبيت لرقابة الزعيم في كل زاوية ومكان , فالرمز يراقب الشعب بمجسماته وادواته , لذا انهارت رمزيات وقيادات لمجرد إسقاط تمثالها وتفككت دول جسّمت قادتها في الميادين لرقابة شعوبهم , فكان كل مواطن يسعى الى الهرب من عيون التمثال الصلبة الى قبيلته او منطقته فنمت داخل الدولة دول وميليشيات سرعان ما ظهرت مع سقوط التمثال ولعل ما يحدث في العراق وسوريا وليبيا مثال واضح على ذلك حيث كان دليل سقوط الدولة بإسقاط التمثال لتظهر التماثيل البشرية المجسمّة على شكل قبائل وطوائف ومناطق .
في البناء التكويني للدولة الاردنية تم اسقاط مفهوم التمثال لصالح الجمع بين الجغرافيا والفكرة على قاعدة بناء الدولة فكان الرمز الوحيد هو رمز الدولة , واسقطت الدولة بتكويناتها الشعبية وبمؤسستها العسكرية فكرة الميليشات التي سادت في الاردن خلال ظرف عصيب , فالوعي الشعبي لا يحتمل الا فكرة الدولة ولجأ مخزون الشعب الى انتاج فكرة المتاحف لرموزه بدل التماثيل الخالية من الحياة , والمتحف دلالة ماضوية لذكرى قائمة كما في كل المتاحف التي تحمل اسماء رموز مقدرة ومحترمة في الوجدان الشعبي .
في ظاهرة التمثال للزعيم ومن خلالها تتشكل الميلشيا او الهويات الفرعية القائمة على فكرة الانسلاخ عن الدولة في اللحظة القابلة للتنفيذ , والاردن لا يعتمد ظواهر التماثيل ولا يقبلها لا قيادة ولا شعبا , ويقف على مسافة بعيدة من فكرة الميليشا بل يقف على عداء لكل تلك المظاهر التفتيتية رغم حبه وتفاخره بسلاحه , فالثقافة الاردنية تتعاطى مع السلاح الشخصي كحالة فخار وتظهر في الافراح والمناسبات الوطنية وهذا يعني انه سلاح شخصي لخدمة الدولة واظهار الابتهاج بقوتها وافراحها والدفاع عنها .
ثمة وعي مستورد وافكار تُحاكي مجتمعات التماثيل تتسلل على شكل اقتراحات لمواجهة التطرف والارهاب وكلها نماذج سقطت في التجربة ولم تنجح في حماية وطن او عائلة او مجرد فرد , وتحمل في اعماقها رسالة قاتمة لشعب اعتاد طوال حياته ان ينام وابوابه مشرعة لثقته في مؤسسته العسكرية والامنية فهذه الخانة مغلقة في دواخل الاردنيين ولم يحمل احد سلاحه لحماية نفسه لانه ببساطة موقن بان دولته تحميه من شرور الخارج واشرار الداخل وثمة ثقة هائلة بالدولة في هذا الامر على وجه الحصر .
الوعي الاردني لم يتشكل يوما بمعزل عن دولته ونظام حكمه والدولة ملاذه حتى في الشكوى منها , فهو يشكوها اليها , ويبقى باب المقر مفتوحا لكل مظلوم , ومحاولة استيراد افكار الصحوات والاشبال والفتوّات سقطت في مهدها لانها ببساطة تشكيك في قدرة الدولة او محاولة انتاج دولة داخل الدولة والسياج الوطني له درع واحد نثق به ثقة عمياء ونتغنى به وبقائده الاعلى ليل نهار والمطلوب تعزيزه ورفده وتوفير كل سُبل المنعة والقوة له وهذا يقين الاردنيين الذين يتمنون لبس شعار الجيش لو لحظة ومَن حطم جده عليه افضل الصلوات والتسليم الاصنام والتماثيل لن يبني تمثالا او يستأنس بتمثال .
عن صفحة الكاتب الصحافي على الفيسبوك
























