عمان - سارة القضاة:
نتساءل دوما عن محددات القيمة الفنية لأي عمل أدبي أو مسرحي أو موسيقي أو أي شكل أخر من أشكال الفنون، ونجد أن تعريف الفن يحتمل تأويلات شاسعة ومتباينة، إذ أن تعريفه وتناوله يعود في معظم الأحيان إلى المتلقي وبيئته وثقافته.
ويرى كثيرون أن على الفن الالتزام وراء فكرة إنسانية محددة، تخدم الحالة الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية السائدة، ويبدو أن بعض المحللين يرفعون القيمة الإنسانية لعمل ما على قيمته الفنية، فيما يذهب حزب أخرإلى مقولة «الفن من أجل الفن».
إلاأن الانحياز إلى أي جانب دون الآخر يعد انتقاصا لقيمة الفن الكلية، فالفنون والثقافة والأدب ما هي إلا محصلة للمعرفة والتطور التي يتميز بها كل مجتمع، وعليها أن تلتف حول ميادين الإبداع الإنساني كلها، دون أن تتخلى عن رقيها وقيمتها الفنية.
اليوم، حين نلقي نظرة على الفن والإبداع في العالم العربي، خصوصا ذلك الذي تم إنتاجه في مرحلة الربيع العربي وما سبقها مباشرة، نجد أن هناك تجارب فنية عديدة قدمت البعد السياسي والاجتماعي على البعد الفني، واعتنت بالقيمة الإنسانية لأعمالها دون الاكتراث بالقالب الفني بشكل مُحكم.
ولعل ذلك يعود إلى دفقة الثورات والانتفاضات التي حررت جانبا مهما من حرية التعبير عن الرأي، وفتحت مجالا واسعا للفنانين والمبدعين والمشتغلين في الفن للتعبير بطرق جديدة ومختلفة، ذلك أنه من الاستحالة إنتاجأعمال فنية متنوعة في ظل الديكتاتورية، وأن التحرر يدفع باتجاه خفوت صوت الفنون الطبقية وصعود فنون أكثر شمولية وإنسانية.
يناقش تروتسكي هذه الفكرة في كتابه «الأدب والثورة»، حين يقول «إن تكوين ثقافة جديدة حول طبقة سائدة يتطلب زمنا طويلا، ولا يكتمل إلا في المرحلة التي تسبق الانحطاط السياسي لتلك الطبقة»، إلا أنه في الطريق إلى هذا التحول، ينسى عدد كبير من الفنانين أهمية الاشتغال بالفن كعمل إبداعي، ويطغى التركيز على المضمون على حساب الشكل الفني، فتظهر بعض الأعمال الفنية المندرجة تحت «الفن الملتزم» وكأنها أعمال مفككة ينقصها الحرفية والعناصر الفنية.
ومن الطبيعي أن تصعد إلى السطح حاجة ملحة لدى الشعوب للتعبير عن آرائهموأوضاعهمفي أوقات الثورة، بحيث يصبح الفن أداة بيد الثورة وفي بعض الأحيان ينجح في قيادتها جماهيريا. وعلى الرغم من أن «الربيع العربي» استطاع أن يكسر حاجز الخوف وساهم في إطلاق الطاقات الإبداعية وتحويلها إلى فِعلٍ شعبي بدلامن أن يظل فئوياً، إلا أن الأمر اختلط بين ما هو «فن حقيقي» وبين ما هو مجرد ظواهر شعبوية ثورية.
فمن غير المقبول أن يكون «الفن الملتزم» أو «الإبداع الذي ينادي بالقيم الإنسانية» فنا رديئا وفوضويا، بل على العكس عليه أن يعكس ما يحمله من أفكار ومضامين ورسائل بطرق أكثر إبداعا وحرفية، لتساهم في الارتقاء بالمجتمع وخلق حالة موازية للفن الذي ينادي بفكرة «الفن من أجل الفن».
من الضروري أن يشق المثقف طريقا جديدا أكثر جدلية وتشابكا في إطار العلاقة الجدلية للأدب والفن بالمتغيرات الاجتماعية والسياسية، لا سيما في مرحلة الثورات التي نعيشها، وأن يكون هذا الطريقبالضرورة نتاج دمج خلاّق بين المثالية الهيغيلية ومادية فيورباخ، تتجلى فيه وحدة وتناقض الأضداد: «الفن الملتزم، والفن لأجل الفن»، ذلك الانتفاضات الفنية العشوائية على الرغم من أنها قادرة على صنع حراك ثقافي ما، إلا أنها تبقى قاصرة عن التطور بشكل سليم.
ما نشهده اليوم، في جزء من الأعمال الفنية، هو استخفاف بالقيمة الفنية مقابل القيمة الإنسانية، ونسمع أصواتا تدعو إلى الفن الملتزم، إلا انه في بعض حالاته فن قاصر عن استيفاء شروطه، فيظهر بصورة عمل إنساني منفصل عن طبيعته الفنية. وبالمقابل نجد أن «الفن من أجل الفن» و «الفن التجاري» يحاول أن يطفو عن القيم الإنسانية العميقة لتغليب الشكل.
كل ذلك لا يلغي أن «الفن لأجل الفن» و «الفن التجاري» والفن الملتزم» كلها قادرة على تقديم أعمال فنية تستوفي شروطها، ولا يقلل من شأنها أنها تنتمي لطبقة دون الأخرى. فمما لا شك فيه أن كل أشكال التعبير والفنون لها أبعاد سياسية واجتماعية، تتمثل في إطلاق حريات التعبير الأدبي والفني شكلا ومضمونا، وعدم تقييدها بشروط رقابية جامدة تحت شعار الانتماء «للطبقة» أو «الفن الملتزم».
ما نراه اليوم، سواء من فرق موسيقية أو مغنيين مستقلين، أوأعمال أدبية ومسرحيات وأفلام سينمائية وغيرها، تنحاز إلى المضمون أكثر من أي شيء آخر، وتنسى في خضم عملية الإنتاج أن ما هو بين أيديهم هو «فن» يحمل رسالة ما وليس العكس.
ولعل ما يدل على ذلك المهرجانات التي تقدم «الفن الملتزم» أو «البديل»، والتي تشهد توافد أعمال فنية وفرق موسيقية ذات منتج إبداعي بسيط وغير مكتمل، إلا أن ما تحمله هذه الأعمال من مضامين وأفكار تستدعي انتشاره في هذه الفترة الزمنية، لكن هل تستطيع هذه الأعمال أن تستمر وتعيش لتروي هذه الحقبة لأجيال أخرى كما استطاعت أعمال «الفن الملتزم» في الحقبة الماضية أن تعيش لتشتبك مع الحاضر؟
مع غليان الشارع العربي وانتفاضاته في بداية الربيع العربي بدأ عدد كبير من الفنانين والشعراء والموسيقيين بالتعبير عن الواقع السياسي العربي، نجح منهم وفشل بعضهم، إلا أنه حتى بعضا ممن نجحوا لم يكونوا أكثر من مجرد تعبير عن الحالة، فإذا أردنا أن نأخذ مثالا لا حصرا فرقة «اسكندريلا» المصرية، نجد أن الفرقة استطاعت بفترة قياسية أن تحقق انتشارا عربيا واسعا، وقدمت أعمالا تمس واقعنا ومضمونا يعبر عن حالة الغضب التي يعيشها الشارع العربي، فتفاعل معها الجمهور وأحب أعمالها، إلا أنك حين تخرج من حالة الغضب، وتستمع إلىأعمال الفرقة بمعزل عن «ثورتها» يصعب عليك أن تندمج معها، إذ أنها أعمال ضعيفة من ناحية الصوت وبسيطة من ناحية الموسيقى.
وعلى عكس فرقة اسكندريلا، نجد أن أعمال اللبناني مارسيل خليفة، التي ظهرت في حقبة زمنية مختلفة، استطاعت أن تعيش حتى اليوم ليس فقط لمحتواها الإنساني أو السياسي، بل لأنه لا يمكن إنكار موسيقيتها واكتمالها من الناحية الفنية. وهذا ما ينطبق أيضا على أعمال خرجت في حقب زمنية أخرى، كأعمال الشيخ إمام وسيد درويش وأم كلثوم، فمن منا لم يردد أغنية إمام «يا مصر قوميوشدّي الحيل» طوال فترة الربيع العربي، وهي الأغنية التي مضى عليها أكثر من ثلاثين عاما وما زالت حاضرة وصالحة حتى اليوم.
وتنطبق هذه الحالة على فرق غنائية كثيرة وُلدت من رحم الثورات أو واكبتها، مثل فرقة «فتت لعبت» السورية، والتي حاولت التعبير عن الوضع الاجتماعي هناك ولكن بصورة ركيكة، وفرقة
لعل هذا هو السؤال المُلّح الذي ينبغي على الفنان والأديب أن يطرحه على نفسه في خضم معركته الخاصة بنتاجه الإبداعي، فما هي قيمة الفنون إن لم تحمل صفات «الاستمرارية» و»الخلود» و»التغيير».
وكما انه لا وجود لفن حر دون تحرر المجتمع، لكن ذلك لا يلغي شرطإتقان العملالفني بمعاييره، «فالفن الضعيف ليس فناً، ولا يخدم الجماهير» كما أكد تروتسكي، فلن تُدهشنا قصيدة مكسورة الوزن، أو مسرحية مُفككة، أو أغنية تخلو من الزخم الموسيقى وإن كان مضمونها لامس واقعنا.
وهذا أيضا ما شهدناه أيضا في بعض الأعمال الشعرية التي لاقت رواجا في ظل الربيع العربي، لكنها لا تحمل في صفاتها من الشعر إلا القليل، ومنها على سبيل المثال أيضا لا الحصر أعمال الشاب الفلسطيني تميم البرغوثي التي اشتهرت بعد أن كتب إبان الثورة المصرية «يامصر هانت وبانت كلها كام يوم»، فما لبث أن سطع نجمه في الوقت الذي ما تزال أعماله في مرحلة التجريب والبحث.
صحيحٌ أن الثورات الاجتماعية وحدها هي القادرة على شق الطريق أمام ثقافة وفن جديدين، إلا أن ذلك لا يكون مكتملا إلا بإنتاج أعمال متقنة، على الفن أن يحمل أفكارا وأشكالا تشي بتطور الفكر والإبداع معا، وإن هذا التطور لا يتناقض أبدا مع المضامين الإنسانية وعواطفهاوتحدياتها المختلفة، فالفن الحقيقي ليس مختزلا بالمضامين الملتزمة، وقضايا الثورة والبعد الاجتماعي، بل يشمل كافة الصور الجمالية.
ومن الصعب اليوم أن نحكم على الصورة الكليّة للفن في زمن الربيع العربي، ذلك أننا ما نزال نخوض هذه المرحلة، ولربما نحتاج إلى عشرات السنوات حتى نكون قادرين على النظر إلى هذه المرحلة بمشاعر أقل برودا، ولكن كمّ من الأعمال القادرة على الصمود كل هذه المدة حتى يصار إلى تقييمها، هذا ما ينبغي أن نلتفت إليه اليوم.
لا بد أن نشير أخيرا إلى أن مصطلح «الفن والفنان الملتزم» هو مصطلح حزين، يشي بمحدودية الفكر، فلربما يكون الالتزام الوحيد بالفن هو الالتزام بجمالياته وأصوله.فحتى حين يخوض الفنان في التجديد والمزج والتنويع، وهذا هو أجمل ما في الفن، فإنه لا يتخلى عن الصفة الأساسية في الفن، وهي الجمال والإتقان. أما أن يحدد الإنسان نفسه، كمتلقي أو فنان في إطار «الالتزام» الفني، فإنه يحرم نفسه من عالم واسع من الجمال.
وإذا عدنا إلى التاريخ الغنائي العربي على الأقل، نجد أن أم كلثوم، وأسمهان، عبد الحليم حافظ وصباح فخري، ومحمد عبد الوهاب، ووردة الجزائرية وغيرهم من الأسماء لم يقدموا فنانا ملتزما، بل كان فنا شاملا وناجحا. وإذا ما ألقينا نظرة على الساحة الفنية الحديثة نجد أن أصواتا مثل ماجدة الرومي وجوليا بطرس وكاظم الساهر وملحم بركات وغيرهم من الأسماء لم يقدموا أيضا فنانا ملتزما، لكنه كان فنا جميلا.
عن جريدة "الرأي" الاردنية
























