شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 25 سبتمبر 2026م04:23 بتوقيت القدس

هل العمل السياسي شكل من أشكال النضال؟

14 فبراير 2015 - 09:40
صادق الشافعي
شبكة نوى، فلسطينيات:

يبدو من شدة التركيز على مثالب وعيوب وقصورات النضال السياسي الفلسطيني، وبدون ضوابط ومحددات، يبدو وكأن هذا التركيز تعبير عن نظرة لدى البعض لا ترى في العمل السياسي شكلا نضاليا من أشكال المقاومة الشاملة، خصوصاً وان هذه النظرة تقترن بوضع هذا البعض للعمل السياسي في موقع التضاد مع المقاومة المسلحة التي يجري تمجيدها الى درجة اعتبارها الشكل النضالي الوحيد القادر على إنهاء الاحتلال وتحقيق كامل الأهداف الوطنية. وكأن الشكلين ضدان لا يلتقيان ولا يتكاملان بل يلغي أحدهما الآخر.
مثل هذه النظرة غير صحيحة لجهة المبدأ، ومتطرفة بأكثر كثيرا مما تحتمله ضرورات النضال الوطني بشكل عام. ولا يكفي لتبرير هذه النظرة وتطرفها تقييم أصحابها السلبي لتجربة النضال السياسي الفلسطيني التي تركزت في السنوات الأخيرة على المفاوضات المباشرة مع العدو، وبالرعاية المنفردة لأميركا، وبالنتائج الصفرية التي حققتها هذه التجربة، إضافة الى كل ما يؤخذ عليها من مظاهر القصور والمساومات والتنازلات، وصولاً إلى القناعة النهائية بلا جدواها، بل ومخاطرها.
وحتى مع الاتفاق بشكل عام مع التقييم المذكور، وبغض النظر عن اختلاف الدوافع، وربما تعارضها، فإنه يبقى في حدود دائرة التقييم للأداء السياسي، وللجهة المسؤولة عن التخطيط والتقرير، ثم للأداة التي تتولى مسؤولية تنفيذ وقيادة حركته. ولا يجوز ان ينسحب هذا التقييم على النضال السياسي كمبدأ وكخط نضالي لا يمكن بأية حال التقليل من أهميته وضرورة خوضه. ولا يجوز ان يدفع هذا التقييم الى مفاضلة لا أساس ولا ضرورة لها مع المقاومة المسلحة.
ويمكن الادعاء ان انتفاء، وحتى ضعف، التوافق والتكامل بين الخطين النضاليين في إطار برنامج نضالي شامل وموحد يضعف الاستفادة من كليهما. بل يمكن الادعاء ايضا ان عاملاً مهماً من عوامل تعثر النضال السياسي يعود الى افتقاره الى التوافق والتكامل مع مقاومة مسلحة يركن إليها ويستقوي بها.
ولا بأس من التذكير بالحقيقة الأكيدة ان النضال الوطني التحرري تتكامل فيه جميع أشكال النضال من المقاومة المسلحة الى النضال السياسي والاجتماعي والثقافي والتعليمي والعلمي والمالي والإعلامي والتحالفي وكافة أشكال النضال والمقاومة الشعبية الأخرى وان كل هذه الأشكال تقوم على أساس متين واحد هو عمق الانتماء الى الوطن والتمسك الثابت بالحقوق الوطنية التاريخية، والانخراط بالنضال الوطني بجميع أشكاله. وان كل هذه الأشكال هي تعبيرات لهذا الأساس، وان تكاملها هو ما يمكّن من تحقيق أهداف النضال، المرحلية منها او الاستراتيجية.
ولا بأس من التذكير ايضا، ان الثورة الفيتنامية العظيمة خاضت نضالا سياسيا واسعا متناسبا مع طبيعة وظروف زمانها ووصلت الى التفاوض المباشر مع المحتل الأميركي، لكن دون ان توقف للحظة نضالها المسلح ولا أي شكل نضالي آخر. وان النضال السياسي لمناضلي جنوب افريقيا، اضافة الى اشكال نضالهم الأخرى، نجح في تشكيل جبهة عالمية واسعة ضد نظام الفصل العنصري كانت فاعلة ومؤثرة في اكثر من مجال، ولعبت دورا حاسما في انتصارهم وتحقيق أهدافهم.
إن الظروف العامة المحيطة بالنضال الوطني الفلسطيني وطبيعة العدو المحتل الذي يصارعه تضعه الى حد كبير في حال شبيهة بحال جنوب افريقيا، وبالتحديد بما يتعلق بالوضع الدولي الذي يبدو في تطور متسارع لكي يلعب دوراً شبيهاً بالدور الذي لعبه ضد نظام جنوب افريقيا العنصري، اذا ما تم القيام بما يجب القيام به في هذا المجال. الظروف الحالية تدعو الى تعزيز الاتجاه نحو النضال السياسي، الدولي بالذات، وأشكال النضال الشعبية الاخرى، لأن توازنات القوى القائمة والظروف الموضوعية المحيطة فرضت ان يكون المظهر الغالب للمقاومة المسلحة هو فعل الدفاع ضد اعتداءات قوات الاحتلال ومنعها من تحقيق أهداف اعتداءاتها ببطولة واقتدار، وبقدرة متنامية على إيلام المعتدي، باحتضان وصمود جماهيري عظيم، وهو فعل على درجة عالية جدا من الأهمية والضرورة الوطنيتين. بينما يقتصر الفعل الهجومي للمقاومة المسلحة في هذه التوازنات والظروف على عمليات محدودة ومتباعدة مثل العمليات التي جرت مؤخراً في القدس ومحيطها. 
هذه النظرة غير الصحيحة للنضال السياسي، ان وجدت بين نسبة من الناس العاديين، فإن سببها يعود الى القحط والجفاف التي انتجها العمل السياسي خلال السنوات الأخيرة وحول وسائله وساحاته، وحول الأداء. لكن هذه النظرة لا تطال المبدأ ذاته، بدليل موقف أغلبية الناس الواسعة المبتهج والمرحب والمتفائل عندما نجح النضال السياسي في تشرين الثاني 2012 بالحصول على موافقة الجمعية العمومية للأمم المتحدة على قبول فلسطين كدولة في مركز عضو مراقب بالأمم المتحدة بأغلبية ساحقة رغم المعارضة الشرسة من اميركا ومعها إسرائيل. وأيضا بدليل الترحيب الواسع الذي يلقاه قرار الانضمام الى محكمة الجنايات الدولية والمنظمات الدولية الأخرى. لكن لا بد من الاعتراف، ان هناك البعض يتعامل مع هذا الأمر ويحدد موقفه منه بمنطق الحسابات الذاتية بعيدة المدى وبمنطق التنافس التنظيمي والارتباطات التحالفية الإقليمية. مع ان هذا البعض نشط بجدية في العمل السياسي عندما كانت الأوضاع مناسبة له ولحساباته، وان ذلك النشاط انحكم الى منطقه التنظيمي المنفرد والى اطار تحالفاته الإقليمية، وكان هدفه المنافسة على التمثيل السياسي الوطني.
إن الأغلبية الواسعة من الناس ستكون مع العمل السياسي اذا تكرس كخط ثابت تقره وتتابع متطلباته ومتغيراته قيادة جماعية، وتنفذه أداة متجددة ومؤهلة، وتكون ساحته المجتمع الدولي والشرعية الدولية بمنظماتها وهيئاتها وعهودها المختلفة وبعيداً عن الرعاية الأميركية المحتكرة وإن كان واحداً من أشكال النضال الأخرى ومتكاملاً معها.
 

كاريكاتـــــير