عمان- رانيا الصرايرة:
"مصارعة المرض أسهل بكثير من مصارعة العقول المتحجرة"، هذه كانت آخر تصريحات منسقة حملة "أمي أردنية وجنسيتها حق لي"، نعمة الحباشنة، التي فاضت روحها الى بارئها أمس، بعد معاناة مع مرض خبيث، احتل جسدها، ولم يستطع التغلب على عزيمتها.
شخصية مثابرة وقوية، وهي "امرأة بحجم وطن"، كما يصفها الناشط في مجال حقوق الإنسان خالد رمضان. عشقت، رحمها الله، وطنها الأردن، كما لم تعشق أمرا آخر، واعتزت بالوطن، الذي اعتبرها أصحاب القرار فيه، "منقوصة المواطنة"، فلم يعطوا جنسيتها لأولادها، المنتمين لجنسية أخرى.
وكأن الوطن اشتم قرب انتهاء قدرها، فاختار مبادلتها حبها، ولو بالحد الأدنى، عندما زف لها، على لسان الحكومة، خبر إقرار "مزايا" لأبناء الأردنيات، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، تختصر حقهم بالحقوق المدنية.
منسقة الحملة، ومؤسستها، والتي بدأتها بصفحة على "فيسبوك"، حملت اسم الحملة، أسعدها الخبر، رغم أنها قالتها مرارا: "نحن أردنيات ولن نرضى بأقل من التجنيس"، لكن خوضها الصراعات والحراكات مع الجهات المختصة، على مدى عقد مضى، لم تترك فيها طريقة إلا واتبعتها، لإيصال صوتها وصوت من معها للمسؤولين، جعلتها تدرك أن لا سبيل أمامها، إلا أن تقبل بهذه المزايا، على أمل إكمال الطريق، حتى الوصول لتحصيل حقوق كاملة لأبناء الأردنيات المتزوجات من أجانب.
بعد صدور إقرار المزايا بأيام، اشتد المرض عليها، ولم يعطها المجال، لمتابعة سير عملية صرف "البطاقات التعريفية"، التي قررت الحكومة، ممثلة بدائرة الأحوال المدنية إصدارها، لتمكنهم لاحقا من الحصول على "المزايا"، لكن عائلتها ومن زارها في مركز الحسين للسرطان، التي باتت نزيلته في الفترة الأخيرة، يقولون: "إنها كلما صحت من آلامها وفي الأيام الأخيرة من غيبوبتها، كانت توصي بإكمال مسيرتها، حتى الوصول لحقوق غير منقوصة للأردنيات".
قصة الحباشنة مع الانخراط في العمل المدني، بدأت قبل حوالي عشر سنوات، فبعد أن خسرت رفيق عمرها، المغربي الجنسية، احتاجت ابنتها لعملية جراحية، ولأن أبناءها، المولودين في الأردن، ولا يعلمون عن البلاد، التي يحملون جنسيتها إلا اسمها، غير مؤمنين صحيا، كونهم غير أردنيين، وبنفس الوقت، لأن تكاليف إجرائها مرتفعة جدا، اصطدمت الحباشنة بجدار "الجنسية".
بعد مراجعات لعدة جهات، على أمل إيجاد حل، وجدت الحباشنة نفسها وحيدة، وقد أغلقت كل الأبواب في وجهها، لكن ما استفز ربة المنزل، التي لم تعمل يوما، وكرست حياتها لتربية أبنائها، رد مسؤول، راجعته مطالبة بإيجاد حل لابنتها، بقوله: "مين حكالك تتجوزي غريب"، متجاوزا بذلك، كل الخطوط، كونه تدخل بحياتها الشخصية بشكل سافر. منذ تلك اللحظة، كرست الحباشنة حياتها للمطالبة بتجنيس أبناء الأردنيات من أجانب، ضاربة عرض الحائط، بكل التحديات، التي واجهتها، سواء بتضحيتها بحياتها الخاصة، نظرا لانغماسها الكامل في السعي وراء هدفها، أو باستمرار الضغط عليها، وتهديدها أحيانا، لترك هذا الملف.
صدمة وفاتها أمس، عبر عنها الناشطون في مجال حقوق الإنسان بحزن. وقالت عضو مجلس نقابة المحامين نور الإمام: "نعمة الحباشنة.. وداعاً، كنت مناضلة حقيقية آمنت بقضيتها.. نعدك بأننا سنستمر بالعمل من أجل مواطنة متساوية للأردنيين والأردنيات.. لروحك السلام والرحمة". أما صفحة حملتها على "فيسبوك" فنعتها: "وأخيرا بعد رحلة مع المرض.. ارتقت روح المناضلة الحباشنة الى ربها الأعلى.. رحمة الله عليك يا أم الجميع.. تعجز الكلمات عن الوصف، ولكن قضاء الله أقوى، نعدك أن نقدم أرواحنا لنسير على دربك ونكمل مسيرتك".
أما الناشط خالد رمضان فقال على صفحته قبل وفاتها بيوم: "نعمة الحباشنة، هي نعمة الوطن، في كل دموع الأطفال المظلومين نجد نعمة، على أرصفة الشوارع والحواري، أمام مجلس النواب.. أمام الحكومة والوزارة أثرها موجود، في كل بيت يقرأ فيه كلام عن الظلم نجد نعمة.
عن جريدة "الغد" الاردنية
























