بقلم – مصطفى السعيد
لقد توحد الشعب المصري خلال ثورتيه على عدد من الثوابت الجديدة، التي يمكن أن تكون النواة القوية لعقد إجتماعي حضاري جديد، يقوم على المواطنة والعدالة الاجتماعية وصون الحريات العامة والخاصة، والحداثة التي تجتث الجهل وشوائب التراث، الذي تخفت فيه الجماعات التكفيرية، وهذا التعاقد الإجتماعي الجديد يعيد الإستقرار إلى الدولة، ليس عن طريق الإذعان أو السكوت أو الركود، وإنما بالرضا الذي يلهب إرادة التحدي والرغبة في البناء والإنتاج، والفارق كبير بين هذين النوعين من الاستقرار.
تلك الهزات الإجتماعية العنيفة والمتتالية جعلتنا نعيد النظر في الكثير من القوالب الفكرية، التي ظللنا طويلا ننظر إليها وكأنها من المسلمات أو الثوابت، حتى أن قوى التخلف أسمت الكثير من قوالب الجمود والتخلف اسم الأعراف والتقاليد، لتجعل منها "مقدسات" ممنوع الإقتراب منها بالنقد أو حتى بالتفكير.
نرى الآن الكثير من كتب التراث عرضة للنقدن بل اندهش الكثيرون منا عندما رأينا هذا الحجم من الدموية والتعصب والتخلف واللاإنسانية قد استقرت في تراثنا، وأننا ندرسها لأطفالنا وشبابنا، لنفقدهم عقولهم وقلوبهم، وندعها تتحجر تحت وطأة تقديس مقولات متخلفة ودموية، رأينا أعراضها على شاشات الفضائيات بعمليات ذبح وسبي وحرق أحياء، وهناك فظائع أخرى جرى إرتكابها في سوريا والعراق، مازال يخفيها هذا الركام الهائل من المناطق السكنية التي أبيدت في حروب الفتنة.
لقد تم فتح مناهج الأزهر، لننفض ما فيها من إنحطاط فكري، وسط حالة من التفتح الذهني الجماعي، التي يمكن أن تشكل قفزة نوعية في تاريخنا الفكري والثقافي، تنتشلنا من أفكار العصور الوسطى، بتكلفة تقل كثيرا عما دفعته أوروبا عندما انتقلت الى عصر التنويروالتقدم.
كما كشف لنا الإرهاب عن ترهل وإهمال أصاب الكثير من قطاعات الدولة، وظهر بوضوح أننا نحتاج إلى إعادة التأهيل والتدريب في مؤسسات مهمة، وإعادة هيكلة وتغيير في أخرى، أي أننا مقبلون، وبحكم الضرورة، على تغييرات واسعة في مختلف المجالات والمؤسسات.
إننا نخرج من حقبة طويلة من الركود، بكل أنواعه ومستوياته، من الركود العلمي والثقافي إلى الكود الإقتصادي، مرورا بالركود السياسي، فلا أحزاب حقيقية، ولا نظام للحكم المحلي، ولا إنتخابات جدية قادرة على فرز الأصلح، ولا أفكار أو برامج مستقاة من ظروفنا، وقادرة بحق على التعامل مع مشكلاتنا وأزماتنا الكثيرة، التي باتت وكانها عصية على الحل، من شدة تراكمها حتى درجة التعفن.
أتاحت لنا هذه الهزات أن نرى عيوبنا ومشاكلنا، وهي الخطوة الأولى والضرورية لي إصلاح جذري، بشرط أن يلازمها إرادة قوية فيتجاوز هذه الأزمات، والإستعداد لدفع الثمن، الذي ينبغي أن يتشارك الجميع في دفعه، من عرقهم وجهدهم ومالهم، وربما من دمائهم.
من المؤكد أن هناك فئات استفادت من عقود الركود والتخلف والفساد، وأنها قوية بما راكمته من ثروة ونفوذ وخبرات، ولن تستسلم هذه الفئات بسهولة، وستحاول بضراوة عرقلة أي إصلاح، بل ستثير الغبار على أي خطوة في هذا الإتجاه، مستغلة الأرض الرخوة التي مازلنا نقف عليها، والتي تعرف مخابئها ودروبها، وتستغل عيوبنا التي مازلنا نحاول التخلص منه، لكي تعيدنا مرة ثانية غلى الهاوية، وربما ما هو أعمق منها.
ورغم هذه التحديات فإن لدينا قوة دفع قادرة على مواجهة هذه الفئات، فقد قمنا بثورتين هائلتين، دفعنا ثمنهما، ولابد من استكمالهما حتى نحصد ثمار ما بذلنا من دماء ومعاناة.
لن يرضى هذا الشعب إلا باستكمال طريقه، والتخلص من آفات أصابته بالكثير من الأمراض، لكن ثورتيه كانتا علامة صحة وقدرة ورغبة عميقة في التغيير، ستزيل من طريقه كل العراقيل.
























