بقلم - حسن خضر
بينما يدفن المصريون جنودهم الشهداء، وتسود مصر حالة من الأسى، يشاطرهم إياها ما لا يحصى من العرب، الذين لا يمقتون الإرهاب وحسب، بل وينظرون إلى مصر باعتبارها طوق النجاة للعالم العربي، أيضاً. في هذه الأثناء تبرز ثلاث علامات استفهام كبيرة فوق رؤوس ثلاث قوى تتفاوت من حيث القوة والتأثير.
أولاً، تركيا التي سمحت بإنشاء فضائية للإخوان باسم "رابعة"، وقد تجاوزت القناة كل القيم المهنية والأخلاقية عندما بثت بيانات تدعو فيها السفارات الأجنبية إلى إغلاق مقارها في مصر، كما تدعو المؤسسات الاقتصادية الأجنبية إلى الرحيل عن البلد، وتطالب السائحين، وشركات السياحة بالابتعاد عن مصر، وتحذّر الرعايا الأجانب من التواجد في مصر بعد تاريخ معيّن.
في كل هذا ما يمثل إعلاناً صريحاً للحرب على مصر الدولة والشعب، وتتحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية الدولة التي سمحت لهذا النوع من البشر، الذي يستهدف ترويع البلاد والعباد، وزعزعة الأمن والاستقرار. ففي مجرد السماح بإنشاء منبر كهذا، وغض النظر عن، إن لم نقل التحريض على، إعلان كهذا، ما يمثل انتهاكاً لمبادي العلاقات الدولية، وتهديداً للأمن والاستقرار ليس في مصر وحسب، بل وفي العالم، أيضاً.
بهذا المعنى لا تصبح تركيا الأردوغانية مجرد نصير بالمعنى السياسي والأيديولوجي للإخوان، بل تصبح شريكاً في الحملة الإرهابية، التي يشنها هؤلاء، والعصابات المتحالفة معهم، على الدولة والشعب في مصر المحروسة. وهذا لا يضعها في حالة صدام مع مصر الدولة والشعب، فقط، بل ومع ما لا يحصى من ملايين العرب، والعديد من حكوماتهم.
ثانياً، الولايات المتحدة، التي استقبلت وفداً من الإخوان في مؤسسة تتبع وزارة الخارجية، وتذرّع الناطقون باسمها بالقول إن الدعوة جاءت من جامعة جورج تاون، وأن الساسة والمسؤولين الأميركيين يلتقون بكل الأطراف.
والمشكلة أن هذا اللقاء يأتي في وقت اعتبرت فيه سلطات الدولة السياسية والقضائية، في عدد من البلدان العربية، بما فيها مصر، تنظيم الإخوان جماعة إرهابية. ويأتي في الوقت نفسه، بينما تشن أطراف مرتبطة بالجماعة هجمات إرهابية في أكثر من دولة عربية، بما فيها مصر، وفي الأمرين ما يبرر تعامل دولة كالولايات المتحدة بحذر مع هؤلاء.
فمن حق أكثر المراقبين في العالم العربي، وخارجه، سذاجة، الوصول إلى قناعة مفادها أن مجرد عقد اللقاء بين ساسة أميركيين وأعضاء من الإخوان في واشنطن ما يمثل رسالة سياسية مفادها، في أقل تقدير، عدم تخلي الإدارة الأميركية عن الإخوان.
والمفارقة، هنا، أن أوّل اتصال في خمسينيات القرن الماضي، جرى في واشنطن، بين الإدارة الأمريكية، وسعيد رمضان ممثل الإخوان، تم في حينها بدعوة من جامعة أمريكية، ونجم عنه لقاء مع الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض، و"تصادف" بعد اللقاء أن بدأت جماعة الإخوان الهاربة من الحكم الناصري في إنشاء موطئ قدم لها في أوروبا والولايات المتحدة.
يسم الغموض علاقة الولايات المتحدة بالإخوان وجماعات الإسلام السياسي. وهذا الغموض حرصت عليه مختلف الإدارات الأمريكية. ففي كتاب صدر قبل سنوات قليلة، وحاول مؤلفه تقصي رحلة الإسلام السياسي والإخوان، في أوروبا وأمريكا، بعد الحرب العالمية الثانية، يقر المؤلف (إيان جونسون، مسجد في ميونيخ) بأن أرشيف المحفوظات الأميركي، الخاص بالعلاقة بالإسلام السياسي والإخوان لم يفتح حتى الآن، خلافاً لقوانين تسمح بالإفراج عن الوثائق بعد أربعين أو خمسن عاماً.
والمفارقة أن وثائق كثيرة تعود إلى زمن الحرب الباردة أصبحت متاحة للباحثين، باستثناء ما يتعلّق منها بالإسلام السياسي والإخوان. وبهذا المعنى يُضاف اللقاء الجديد في واشنطن إلى قائمة طويلة، ويسهم في إنشاء مزيد من علامات الاستفهام.
ثالثاً، قطر، ففي لحظة الهجوم الإرهابي المشؤوم على الجنود المصريين في سيناء نقلت قناة "الجزيرة" على شاشتها بثاً حياً للهجوم، لحظة وقوعه. وهذا لا يدخل في باب السبق الصحافي بقدر ما يرفع أكثر من علامة استفهام. مهنياً:
ينبغي القول إن مجرد تصوير هجوم إرهابي، ونشره في وسائل الإعلام يمثل نصف المُراد من العملية الإرهابية، فإذا كان الهجوم على المنشآت العسكرية يعني التدليل على حقيقة وجود هذه الجماعة الإرهابية، أو تلك، وحقيقة أنها تستطيع شن هجمات أينما ووقتما تريد، فإن الحقيقتين بلا معنى ما لم تصبحا خبراً في وسائل الإعلام، وما لم يتمكن الإعلام من نقلهما إلى أكبر عدد ممكن من الناس. ففي هذه الحالة يتحقق الهدف الحقيقي للعملية الإرهابية، أي النيل من هيبة الدولة، وإشاعة جو من عدم الاستقرار، وبث الرعب في قلوب الناس، وزعزعة ثقتهم بالدولة.
لذلك، في الحرب على الإرهاب، وحرمان الإرهابيين من تحقيق أهدافهم السياسية والدعائية، وإيصال رسائلهم الأيديولوجية، لجأت دول كثيرة، وما تزال، إلى تجفيف المصادر الإعلامية للإرهابيين، وملاحقة وحذف مواقعهم وتسجيلاتهم المصوّرة. وبهذا المعنى من المُستغرب، تماماً، حتى إذا تغاضينا عن التفاصيل التقنية، التي تمكّن إرهابياً من إقناع فضائية بعينها من استقبال شريطه المصوّر، وبثه لحظة وقوع الحدث، أن "تتبرّع" الجزيرة بتقديم هذه الخدمة.
وهذا مُستغرب بالمعنى السياسي، أيضاً، فبعد المصالحة، التي قيل إنها ستعيد تصويب ما شكّل مصدراً لتوتير العلاقات بين دول عربية مختلفة، يأتي البث الحي لصور العملية إرهابية، لا ليمثل سبقاً إعلامياً تنفرد به قناة فضائية دون غيرها (بئس السبق) بل ليرسم في الأفق أكثر من علامة استفهام كبيرة.
























