"أميركا في نظر شرقي" أو "ثماني سنوات في الولايات المتحدة" هي سلسلة حلقات كتبها الدكتور فيليب حتّي من أساتذة الجامعة الأميركية في بيروت، ونشرها في مجلة الهلال المصرية في العامين 1922ـ1923، وقد جمعها وأعاد نشرها د. يوسف الشويري في كتابه "الرحلة العربية الحديثة من أوروبا إلى الولايات المتحدة" (1998)، وبدت الحلقات في سبع أدرجت تحت عناوين، واختير للحلقة الأولى عناوين بارزة هي: حيوية الشعب، الخفة والحركة، سرعة النقل والانتقال، وللحلقة الثانية عنوان حب العمل، وللثالثة فاعليتهم، وقد علل د. فيليب حتّي هذه الفاعلية، وللرابعة التعاون والانتظام، وللخامسة البداهة والإبداع، وللسادسة روح الديمقراطية وخصائص الديمقراطية الأميركية: بلاد الفرص السانحة، فيما اختار للسابعة عنوان مقام المرأة والأولاد.
ويبرز د. فيليب حتّي للأميركان صورة مشرقة، وأظنها صورة دفعت كثيرين من العرب للسفر إلى الولايات المتحدة والإقامة فيها والاستقرار هناك، وهي صورة ما عادت أكثر الأدبيات العربية تظهرها للولايات المتحدة منذ وقفت هذه إلى جانب إسرائيل منذ تأسيسها وحتى اليوم، وازدادت الصورة قتامة منذ احتل العراق ودمّر. ولعلّ قارئ الأدبيات العربية، وتحديداً الروايات، التي صدرت في العالم العربي في هذا القرن، القرن الحادي والعشرين، نادراً ما يقرأ شبيهاً لتلك الصورة المشرقة التي أبرزها د. فيليب حتّي. وإن قرأها القارئ العربي ففي أدبيات أفراد زاروا أميركا وكتبوا عن رحلتهم فيها هناك، غاضّين النظر عن المواقف السياسية للولايات المتحدة، مكتفين بتدوين مشاهداتهم والحديث عن تجربتهم الفردية، وكنت قرأت، في جريدة الأيام الفلسطينية، شيئاً من هذا، لبعض كتاب الأيام، مثل تحسين يقين وبسام الكعبي، ولا أنسى طبعاً ما كان كتبه في الطليعة المقدسية، أيام كانت تصدر، بعض كتابها ممن زاروا أميركا، ومنهم المرحوم محمد البطراوي، وثمة كتابة مشابهة لكل من الكاتب محمود شقير والكاتب جميل السلحوت. أما الروائيون العرب الذين كتبوا عن احتلال أميركا للعراق، فقد أبرزوا صورة سلبية لها. وقد تتفاوت هذه الصورة بين السلب والإيجاب في روايات روائيين مصريين، مثل رواية صنع الله ابراهيم "أمريكانللي: أمري كان لي" وعلاء الأسواني "شيكاغو" وعز الدين شكري نشير "عناق عند جسر بروكلين" وآخرين.
ويمكن القول إن صورة الولايات المتحدة بدأت، كما في نفس د. فيليب حتّي، إيجابية بعامة، وبدأت تتغير إلى أن غلب عليها الطابع السلبي، ما دفع بالرئيس الأميركي جورج بوش إلى تعيين مستشارة له، لكي تعمل على تحسين صورة أميركا في العالمين العربي والإسلامي، هي كارين هيوز، إن لم تخني الذاكرة.
في الكتابة عن أميركا في الأدبيات العربية يقف المرء أمام نوعين من الكتابة، أولهما كتابة تعتمد على الرؤية والمشاهدة، وثانيهما كتابة تعتمد على المصادر والمراجع والمرويات والمسموعات. وكنت توقفت قبل أسابيع أمام رواية الروائي اللبناني ربيع جابر "أميركا" (2009) وتفاجأت حين علمت أنه لم يزرها، ومع ذلك كتب عنها. ويختلف عن ربيع جابر اختلافاً كلياً د. فيليب حتّي، فقد أقام في الولايات المتحدة ثماني سنوات، ثم كتب عنها، ويصدّر الدكتور كتابته بفقرتين مهمتين جداً، سأوردهما على طولهما:
"الأميركي تلتقي به على جسر الأمم ـ جسر غلطة ـ في الأستانة، وتقابله في نهر شيرد هوتل، وتخالطه في الجامعة الأميركية في بيروت، ولكن الأميركي لا تفهمه كما هو، ولا تدرك حقيقة كنهه، وتحيط علماً بروحه وأخلاقه إلاّ في وطنه، في أميركا، كما أنه لا يمكنك درس طبائع الدب الأبيض في حديقة الحيوانات ولا عادات القرد الأفريقي في قفص "الفرجة" .. "للأميركي ميزات وصفات تجعله "أميركياً" وتميزه عن الإنجليزي وعن الألماني وعن الأفرنسي. فيه ذاتية وطنية، وروح خاصة، ونفسية معينة تقطن الوطن الأميركي وتقيم في بلاده.."
ويفصح د. حتّي بعد إيراد ما سبق عن مصادره في الكتابة، بالإضافة طبعاً إلى إقامته هناك ومشاهداته، بل واحتكاكه بالأميركان، فيكتب: "طالعت في هذا السبيل زبدة أبحاث الكتبة الأجانب الذين زاروا الولايات المتحدة ودرسوا أخلاق قومها، وما قاله الأميركيون عن أنفسهم، وعلّقت مذكرات في مفكرتي اليومية تتضمن خلاصة اختباراتي الشخصية وتأثراتي النفسية، وجمعت قصاصات من جرائد ومجلات أميركية متعددة، كل ذلك على أمل تدوينها يوماً من الأيام وتقديمها لخدمة الجمهور من متكلمي العربية، علّ العالم العربي يهمه الاطلاع على شيء من ذلك لما يربطه بالعالم الجديد من رُبط تهذيبية واقتصادية ولما بين العالمين من صلة المهاجرة". وقد خلص من تجاربه وقراءاته إلى اكتشاف أن النفسية الأميركية "تختلف باختلاف الزمان والمكان، وتتغير بدواعي التأثرات المتباينة، ولكن هناك مظاهر تظهر بالإجمال فيها، وهي ما نريد أن نتبينه في هذا المقال". (ص120/121).
هل بدت الصورة التي أبرزها حتّي لأميركا ولشعبها إيجابية في المطلق؟ في حلقات لاحقة، وتحديداً في الحلقة السادسة، سيتوقف هو نفسه أمام سؤال مثل هذا، لأنه لو أجاب على السؤال بالإيجاب لما كان أقنع الآخرين، ولربما لما كان أقنع نفسه، وسيتدارك ما قد يبدو تشكل لدى القارئ عن أميركا، وهو أنها خير كامل، لا شرّ فيها. يكتب مفصحاً عن طبيعة كتابته:
"ولقد حاولت في هذا المقال الحكم على الولايات المتحدة بأحسن ما فيها وبموجب القياس الذي يسير عليه الأكثرية، وكان بوسعي أن أصوّر مدنيتها بصورة سوداء مظلمة وآتي بصور فظيعة حقيقية تمثل الحياة الاجتماعية في القسم الشرقي من مدينة نيويورك وفي غيرها من المدن حيث الشقاء يعشش والرذيلة تبيض والجهل ضارب أطنابه. ولكنني بذلك لا أنصف الشعب بل ارتكب الجرم نفسه الذي يرتكبه بعض المبشّرين الذين يسوّدون صحيفة السوري في بلادهم بذكر نقائصه فقط". (191) ويضيف عن منهجه ورؤيته: "كل أمة يجب أن يحكم عليها بأحسن ما فيها. فبلاد الإنجليز هي بلاد شكسبير وملتون.. وفرنسا هي بلاد هيغو.. وروسو.." (ص191).
ومع إدراكه بأن الولايات المتحدة لا تخلو من وجه سلبي، إلاّ أن ما كتبه، في مقالاته/ رحلته/ كتابه، لا يأتي على شيء من هذا، سوى إشارته التي بدت في الأسطر المقتبسة أعلاه. وسيخرج المرء، بعد الانتهاء من قراءة ما كتب، بانطباع مشرق جداً عن الولايات المتحدة وشعبها. أهي عين الرضا التي هي عن كل عيب كليلة، ولهذا كتب عن أحسن ما في أميركا، خلافاً لكثير من روائيينا في ق21 الذين يكتبون بعين السخط، وهذه لا تبدي إلاّ المساوئ؟؟!
وغالباً ما يلجأ الكاتب إلى إجراء مقارنات بين ما يراه في أميركا وبين ما رآه وعاشه في الشرق، وغالباً ما أبرز للأخير صورة سلبية، كأنه كان ينظر إلى الشرق بعين السخط!! حقاً إن العنوان هو "أميركا في نظر شرقي"، لكن الكتابة تأتي أيضاً على الشرق في نظر شرقي، وهذا ما يلحظه القارئ في صفحات عديدة. الأميركي يعمل والشرقي يحلم (ص150) والشرقي يجامل والأميركي يبدو خشناً فظاً لأنه لا يجامل في مكان العمل (156) و.. و.. كتاب "أميركا في نظر شرقي" كتاب يستحق القراءة. إنه كتاب ممتع حقاً!!.
























