شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 25 سبتمبر 2026م15:26 بتوقيت القدس

هُنّ الزبون الدائم والمُربِح

لماذا تلجأ النساء للعرّافين في غزة؟

31 يناير 2015 - 07:10
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة-خاص نوى- ديانا المغربي

في أقصى شمال قطاع غزة حيث تتربع القرية البدوية على حدود مدينة غزة مع الأراضي المحتلة ، تحتشد قرابة ثلاثة عشر امرأة في باحة احد المنازل المتهالكة، ينتظرن دورهن للدخول إلى غرفة محاذية للباحة ليقابلن "أم محمود " امرأة يقال أن" سرها باتع" في حل المشاكل، في حين تعج الغرفة الأخرى بحركة أبناء صاحبة المنزل فيما تقف داخل مطبخ المنزل فتاة في عمر المراهقة ترتب الاوانى وتغسل الأطباق.

باغتتني إحداهن دون مقدمات بالسؤال" أنتِ أول مرة تيجى"، أجبتها وأنا أخفى هويتي المهنية" أول مرة "، هزت برأسها، ثم بادرتني القول: " إن شالله بتحللك مشكلتك، هي بطول شوية بس بتريحك بالأخر"، سألتها بتطفل" كم مرة جئتِ إلى هنا"، بدأت تسرد قصتها" منذ سنوات أخبرني زوجي بنيته الزواج بأخرى، كان الخبر كالصاعقة، جعلني استنجد بأي شخص، فساعدتني إحدى الجارات، وعرفتني على "أم محمود"، وبدأت باعطائى علاج لفك العمل.

 تتابع" أخبرتني انه عمل متجدد، ويجب أن أزورها باستمرار حتى تبقى فكرة الزواج بعيدة عن زوجي، وها أنا أزورها بين الفينة والأخرى، فتعطيني بعض الأوراق والأحجبة وماء مقروء عليه قرأن.

 تلخص سمية، 36سنة، قصتها بالبحث عن زوج، أخبرتها أم محمود أن زواجها مرهون بعمل من أم حبيبها، التي ترفض أن يتزوج ابنها من سمية وأكدت لها أن حبيبها يحمل لها حباً لا يحمله إنسان أخر، ومنذ ذلك الوقت وسمية تدور في دائرة مغلقة تحاول فيها فك العمل لعلها تتزوج ممن أحبها.

 تقول سميه" أم محمود أصبحت بالنسبة لي الطبيب النفسي؛ الذي ألجا إليه كلما ضاقت الدنيا بوجهي، وشعرت بالوحدة؛ لتعطيني الأمل". تتابع" أم محمود" طلبت منى أن احضر لها شعرة من رأس أم حبيبي، أو قطعة من ملابسها، لكنى فشلت في هذه المهمة؛ كونها واعية لهذه الأمور، وحذرة جدا من التعامل معي، فكتبت "أم محمود " لي مجموعة من الأوراق، لاحرقها وارميها في طريق قريبتي، وفى احد المرات أعطتني زجاجة ماء وطلبت منى أن ارشها في طريق ابن قريبتي؛ حتى لا يتزوج، قمنا أنا شقيقتي في ساعات الليل برش الماء على عتبة منزلهم.

أم رائد، وابنتها هيام، التي لم يحالفها الحظ بالنجاح في الثانوية العامة رغم تفوقها " أخبرتهم "أم محمود" أن سحر يُوقِف نجاح هيام وزواجها ومن فعلت السحر واحدة من سكان عمارتهم.

هواجس لا أكثر

الآن جاء دوري، جلست بجانب "أم محمود"، لم تتخطى العقد الرابع من العمر، مهندمة بعض الشيء ، كانت تهمهم ببعض الكلمات غير المفهومة، أظنها طلاسم قرأتها يوماً في احد كتب السحر المعروفة، ثم بدأت التحدث إليّ طالبة اسمي واسم أمي وان أضع بين يديها عشرة "شواكل"، واقرأ عليها الفاتحة، فعلت ذلك دون تملل، وبدأت تتحدث أن حياتي غير مستقرة، وان زوجي دائم النكد، والسبب في ذلك سيدة تسكن معي، وهى من قريبات زوجي وهدفها التفريق بيننا.

ثم سألتني" عندك خلفة؟ " فأجبتها: " الله كريم"، ثم عادت لتبرطم مجددًا بتلك الكلمات، وتتثاوب بين الحين والأخر، ويزداد صوتها علوًا، وبين كلماتها غير المفهومة، كنت اسمع اسمي واسم والدتي، ثم عاودت الحديث" اسمعي يا ختى أنتِ و"جوزك" زوجك معمول إلكم عمل؛ علشان ما تخلفوا، وما تتوفقوا بحياتكم واللي عماله شكلها طويلة وبيضا وفى وجهها شامة وهذا عمل من النوع الثقيل".

استغربت من حديثها فلدى ثلاثة بنات، لكنى قررت الاستمرار حتى ألمس السبب الذي يجعل كثير من النساء يقعن ضحايا في شباك شعوذتها ودجلها، ثم أخبرتني أنها تحتاج إلى خمسمائة شيكل لتشترى بعض الأدوات لفك العمل، أما أُجرتها على حد تعبيرها تريدها عندما يكرمني الله بالحمل.

خرجت من غرفتها، وأخبرتها اننى سأعود عندما امتلك المبلغ، ولم استغرب من وجود هذه الأعداد في ساحة بيتها، فما تقوله من توقعات يلامس شعور أي امرأة، لاسيما أن النساء بصفة عامة عادةً ما يحملنا مشاعر الغيرة والشك لمن حولهن من حموات أو سلفات أو أخوات زوج ، وان استدراجهن بالمعلومات مسألة بسيطة جداً.

حول دوافع النساء للجوء إلى الشعوذة والسحرة استطلعت "نوي" آراء عينة من السيدات، تقول الصحفية مريهان أبو لبن، 30 عاما،" أجزم أن كثير من النساء اللواتي يعتقدن أنهن مسحورات أو" معمول لهن عمل " هن بحاجة إلى علاج نفسي أو تغيرات في نمط حياتهم، أو شخصياتهن أو هن نساء مغمورات ومعنفات بنفس الوقت، لافتًة أن قلة الوعي والوازع الديني تدفعهن إلى سلك هذه الطريق.

 ترى هالة المقادمة موظفة، أن كل ما يشاع عن مقدرة البعض في معرفة علم الغيب مجرد " حكي "، والنساء تطرق هذه الأبواب هروباً من واقعها الذي ترفض أن تعيشه وبالمناسبة هي أكثر فئات المجتمع اهتماماً .

للمتعلمات نصيب

من جهته يقول الأخصائي النفسي والاجتماعي محمود عبد العزيز منصور "ظاهرة الشعوذة تفرض نفسها بقوة، تلجأ إليها المرأة عندما تعجز عن إيجاد الحلول للخلاص من "ديكتاتورية" الرجل، أو عندما تسعى إلى تطويعه حتى يستجيب لرغباتها.

يضيف منصور" أغلب الحالات التي تتجه للمشعوذين يعانين من "الإسقاط النفسي" وهو الهروب من الواقع وإسقاط سبب المشكلة عن النفس إلى الغير، ويفسر كثرة ميول المرأة بسبب معاناتها النفسية، وهى أكثر استعدادًا للاعتراف بما تعانيه من هواجس وقلق؛ لذلك تطلب مَن يستكشف لها أحداث المستقبل. كانعكاس لحالة القلق التي تعيشها، فكلما كانت حياتها راضية ومستقرة، تقل حاجتها إلى هذه الأمور.

يتابع" كثير من العّرافين يستغلون قلق النساء حيث يلّمحون في نفوسهم قلق من زواج الزوج أو فقدان الوظيفة أو المكيدة من الحماة أو عدم الإنجاب وللأسف النساء يصدقن نصبهم كون المشكلات النفسية والاجتماعية ليست حقائق علمية . فالشعوذة والدجل مرتبطة بأمية المرأة لكن لكل قاعدة شواذ والمتعلمات هن الشواذ في هذه القاعدة حيث يلجأن كغيرهن من الأميات إلى هذه الطريق أحيانا، علماً بأن التركيبة النفسية تلعب دوراً كبيراً في هذا الاتجاه فقد تدفعها عاطفتها تجاه الزواج أو الإنجاب إلى عدم استخدام عقلها في تسير الأمور والقضاء على مخاوفها من المستقبل فتلجا إلى من يعدها باقتلاع المشاكل من حياتها وضمان حقوقها وتأمين حياتها الزوجية بعيداً عن المشاكل والاحباطات .

يؤكد منصور أن الخوف من غدر الزوج هو اكبر الإشكاليات التي تتواجه النساء، وتليها الإنجاب والبحث عن زوج والحسد والغيرة وعلاقتها بأهل الزوج. منوها إلى أن طريقة تعامل الزوج ونظرة المجتمع لفئة النساء غير المتزوجات أو غير المنجبات أو البؤس والتهميش وكثرة المسئوليات والأوضاع الاقتصادية والعنف كلها أسباب تدفع المرأة للبحث عن من يلبى لها العاطفية والنفسية.

كاريكاتـــــير