بقلم – زكريا محمد
بحساب منطقي للأمور- أي من دون الانزلاق إلى افتراضات مبالغة تقول بأن عملية الجولان الإسرائيلية انطلقت من اعتبارات انتخابية، حتى ولو كان فيها خيط انتخابي- يبدو أن إسرائيل فهمت خطاب السيد حسن نصر الله على الوجه المعاكس. أي فهمت أن حزب الله يهدد لأنه في وضع صعب. بالتالي، فهو لن يستطيع الرد على عمليتها، او لن يستطيع الرد بشكل مقبول. وهذا يعني أنها قدرت ستفوز، وأنها ستستعيد قوة الردع التي انثلمت في حرب غزة، وما قبل حرب غزة أيضا. هذا هو الافتراض المنطقي.
لكن الأمر يمضي في الحقيقة إلى أبعد من استعادة قوة الردع. فهو إشارة شديدة الوضوح إلى أن إسرائيل لن تقبل بالوضع الحالي في الجولان حيث تنتشر قوات حزب الله هناك، وتستعد لاحتمالات المواجهة مع إسرائيل هناك. بالتالي، فإسرائيل تحاول رسم خطوط حمر جديدة.
انطلاقا من هذا، يمكن القول أن العملية الإسرائيلية تضغط بشدة على عصب حزب الله. فهي تعلن أن تهديدات أمينه العام في مقابلته في المنار ليست ذات طابع جدي، بل يجب أن تؤخذ عكسيا. أي تؤخذ على أنها دليل ضعف لا دليل قوة. وهذا ما يضاعف من حاجة حزب الله للرد. فهو يدرك مغزى أن يتم الاستهزاء على هذه الصورة بالتحذيرات التي وردت في مقابلة أمينه العام.
فوق هذا فالأمر يتعلق بإيقونة حزب الله الشهيد عماد مغنية. فابنه هو الذي سقط في الغارة على أرض الجولان. وهذا لا يقل عن إصابة مباشرة للسيد حسن نصر الله. فجهاد مغنية هو ابن رمزي لحسن نصر الله.أيأن إسرائيل كانت تريد إيقاع أذى شخصي مباشر بالسيد حسن نصر الله. وهذا ما يصعّد الحاجة إلى الرد، وإلى التعجيل به. فمرور العملية الإسرائيلية من دون رد مناسب سيحسب على أنه انتصار كبير لإسرائيل، وهزيمة نفسية للمقاومة ومحورها.
إذن، كل شيء يشير إلى العملية الإسرائيلية عملية مدروسة وغير انفعالية، حتى لو أن الاعتبارات الانتخابية لعبت دورا صغيرا فيها. إنها عملية لإعادة رسم الخطوط، وإعادة تحديد قوانين اللعبة. بهذا المعنى فهي ذات طابع استراتيجي. إنها أشد وطأة بكثير من عملية اغتيال عماد مغنية وسط الفوضى السورية. بل إنه لا يمكن مقارنتها بها من حيث الأهمية.
العملية إذن هدفت، وبإصرار كامل، على وضع حزب الله على المحك الشديد. لا مفر له من الرد. ولا مفر له من رد سريع نسبيا. ذلك أن الأمر يتعلق بقوانين اللعبة ذاتها. فإن لم يرد فهذا يعني أن إسرائيل حددت هذا القوانين بيدها من جديد.
عملية الجولان، إذن، عملية استراتيجية بكل معنى الكلمة.
أعان الله حزب الله على خياراته، التي لن يكون أي منها سهلا أبدا.
























