شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 27 سبتمبر 2026م04:37 بتوقيت القدس

تبدّل في أولويات

17 يناير 2015 - 09:10
صالح الشافعي
شبكة نوى، فلسطينيات:

في المسار المستمر لحرب داحس ( بالحاء والسين) والغبراء المستمر والمتصاعد بين الأطراف الفلسطينية وبالذات بين القطبين الأبرز بينها، في هذا المسار المؤلم أشد الإيلام والضار أشد الضرر والذاتي أيما ذاتية، يحصل تبدل في الأولويات في أكثر من عنوان أساسي.
 ويتضاعف ضرر هذا التبدل مرات، وهو يحصل في توقيت يخوض فيه الكل الفلسطيني نضالات وطنية عامة كبيرة وأساسية داخلية وخارجية يشكل التوحد مفتاحاً أساسياً للنجاح فيها.
من أبرز عناوين التبدل في الأولويات ثلاثة:
التبدل الأول، هو في أولوية الصراع، فبدلاً من الأولوية المطلقة للصراع مع العدو المحتل سواء بالمعنى الوطني الاستراتيجي المتعلق بالاحتلال واستمراره وضرورة إنهائه ومقاومته بكل الوسائل المتاحة، او ذلك المتعلق بالمعارك الآنية معه حول قضايا محددة وضاغطة تتعلق بالنضال الوطني وبحياة الناس وحاجاتها الملحّة، بدلاً من ذلك، يبدو وكأن الأولوية تذهب إلى الصراع الداخلي، وهو صراع في الأساس والجوهر على السلطة والقيادة والقرار وفرض البرامج، مهما تغطى بعناوين فرعية ومطالبات تبدو في الظاهر محقة. 
في هذا الصراع تتحول قضايا الناس وعذاباتهم وأمورهم الحياتية الحيوية وآمالهم ومصالحهم الى فرق عملة، والى ورقة في سوق الابتزاز والمزايدة والإحراج اكثر مما هي تبنٍّ حقيقي مع سعي جدي مسؤول ومشترك لإيجاد حلول لها. هل يعقل ألا تكون الأولوية المطلقة في الأمور المحددة والضاغطة الآن، لصالح إعمار غزة وإنهاء عذابات الناس من كل نوع ولون؟ ألا تبدو الأمور مع هذا التبدل في الأولوية وكأن العدو المعتدي بريء أو ليس المسؤول الأول عن تعطيل الإعمار، وكأن لا مماطلة ولا تباطؤ هناك من الدول المانحة، وان المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على الفلسطينيين وخلافاتهم، وهو ما ليس حقيقياً أبداً.
التبدل الثاني، هو في طريقة حل الخلافات وأشكال الصراع الداخلية.
 فبدلاً من الحوار او التنافس بالطرق الديموقراطية الجادة المسؤولة وبتقديم البدائل الواقعية، وبدلاً من الالتزام بالاتفاقات الكثيرة السابقة وتطبيقها وتطوير ما يلزم منها، وبدلا من الدعوة الجادة والمسؤولة الى انتخابات عامة يعود الحكم فيها للناس، بدلا من ذلك، تتصدر المشهد أشكال غاية في اللامسؤولية والإضرار بالوطن وبالناس وبالمزايدة والابتزاز، وصلت الى أشكال تعطيلية وعنفية مختلفة، أصبحت معروفة ولا داعي لتكرارها. إنما يلفت النظر انه لم يتم القبض على فاعل واحد من فاعلي أي منها في بلد ضيق المساحة مكتظ بالسكان تعرف فيه الناس بعضها، فأين التباهي بالاستقرار والقدرة الأمنيين.
 وإذا كانت هذه الأشكال العنفية والتعطيلية لا تزال تحت السيطرة والتحكم من الجهة المحركة لها، فلا احد يضمن عدم تطورها الى مستويات أسوأ واكثر خطورة، ان من الجهة ذاتها، او بانفلاتها، ولا يقل خطورة أن هناك مقدمات ودعوات للعودة الى الأساليب الانقلابية بدأت تطل برأسها بأشكال وعناوين وأدوات مختلفة.
 ومع أن حظوظ نجاح هذه الدعوات تبدو منعدمة، سواء بسبب معطيات الواقع الفلسطيني أو بسبب معطيات الواقع المحيط عربيا وإقليميا، فإنها تفعل فعلها في زيادة التوتر وتعميق الانقسام. وربما انحصر هدف من يطلقها في إسقاط حكومة الوفاق وتكريس الأمر الواقع الانقسامي حتى مع صعوباته واختناقاته على اكثر من مستوى.
وأما التبدل الثالث، فهو إصرار أحد الأطراف على التعامل كطرف ندّ ومساو لحكومة الائتلاف لا كواحد من مكوناتها، وبشكل ينازعها سلطاتها ويعيقها، إن لم نقل يمنعها، عن ممارسة صلاحياتها وواجباتها الكاملة بوصفها المسؤولة الأولى عن تسيير عمل مؤسسات السلطة في القطاع كما الضفة، بالذات فيما يتعلق بحياة الناس ومتطلباتها على كافة المستويات. وهذا ما يجعلها حكومة مسلوبا منها جزء مهم من صلاحياتها وفاقدة القدرة على الحكم والتقرير في قطاع غزة كما الضفة الغربية. وكأنه لا يكفي ما تنزعه منها دولة العدو، بقوة الاحتلال، من حقوق وصلاحيات أساسية.
والغريب أن هذا الطرف المعني وافق كطرف أساسي على الحكومة وتشكيلها، كما وافق، وبشكل مثير للدهشة والاستغراب، على برنامجها دونما اعتراض او تحفظ، ولا حتى مطالب معلنة مقابل موافقته.
 إن هذا الطرف يستفيد في تعامله هذا من مجموعة حقائق، الأمر الواقع وقوة الترتيبات، الأمنية بالذات، التي راكمها خلال سنوات انقلابه وسيطرته الكاملة وحكمه المنفرد لجزء من الوطن.
 إن الأزمات التي تدفع إلى الصدارة متقدمة على القضايا الوطنية العامة مثل إنهاء الانقسام، ومتقدمة على أولوية إعادة إعمار غزة وما تفرضه من متطلبات أولها وحدة الموقف الفلسطيني ووحدة الإدارة والتنفيذ والمتابعة وجهة الاتصال، هذه الأزمات، هي إلى حد كبير من نتاج الانقلاب وانقسام الوطن والحكم المنفرد وبناء الأجهزة الخاصة، والسيطرة المباشرة على الأجهزة والمؤسسات التي كانت قائمة بموظفين من نفس اللون والانتماء. وهذا ما يلقي بالمسؤولية الأولى عن تشكل هذه الأزمات على نفس الطرف المعني.
هذا القول لا يعني بأي حال التقليل من ضرورة تحمل مشترك للمسؤولية، وتصدي الكل الوطني ومؤسساته المختلفة لحل هذه الأزمات، وفي الأولوية منها ما يمس حياة المواطن ورزقه وكرامته، على القواعد الوطنية أولا ثم القانونية والإدارية المتبعة، وبغض النظر عن كيفية نشوئها وعمن يتحمل المسؤولية الأساسية في ذلك. وهذا القول لا يعني عدم توجيه اللوم او النقد للحكومة لأي خطأ تقع فيه أو تقصير في أداء واجباتها، وذلك في حدود مهماتها وإمكانياتها وقدراتها والظرف المحلي والعام الذي تعمل فيه. ولا يعني عدم الحق بالمطالبة بتعديلها، أو حتى تغييرها، إذا ما تم بشكل موضوعي ولأسباب موضوعية، وبالطرق والقواعد الديمقراطية السليمة.

كاريكاتـــــير