بقلم – حسن مدن
يُنسب إلى وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت قولها: إن روسيا تحظى بشكل "غير عادل" بمناطق شاسعة وموارد كثيرة، في إشارة ضمنية إلى أن هذا كثير على روسيا، التي يجب عليها، من وجهة نظر صنّاع القرار الأمريكيين وبعض الأوروبيين، أن تكفّ عن التصرّف بوصفها دولة كبرى، وأن عليها التسليم بأنها لم تعد ذاك اللاعب الدولي الكبير الذي كانه الاتحاد السوفييتي .
هناك ما أغرى الغرب، وواشنطن تحديداً، بالتمادي في هذا التفكير، وخاصة حال المهانة التي أوصل بوريس يلتسين روسيا إليها بعد تفكك الدولة السوفييتية الاتحادية، وما مشروع فلاديمير بوتين، بعد أن استوى على "عرش" روسيا إلا إعادة الاعتبار لدورها ومكانتها اللذين تضرّرا كثيرا خلال فترة حكم يلتسين .
منذ سنوات زار الفنان توفلر صاحب كتاب "الموجة الثالثة" هو وزوجته هايدي، موسكو بدعوة من أحد كبار مستشاري بوتين، وكانت الزيارة بالنسبة له فرصة للمقارنة بين حال روسيا يومها، وحالها عندما زارها عام 1991 في عهد بوريس يلتسين، وكانت في حالة انهيار عام، وتعاني شيوع الفوضى في الاقتصاد وفي أوجه الحياة المختلفة .
أكثر ما أثار قلق توفلر هو التبرير الذي سمعه لتركز السلطة بيد بوتين، من خلال الاستناد إلى قرون من الثقافة الروسية التي تمجّد السلطة القوية، وهذا ما يفسّر برأيه الشعبية الكبيرة التي تحيط ببوتين وسط مواطنيه، الذين يرون فيه المنقذ الذي رمم الخراب الذي خلّفه يلتسين، ومن قبله غورباتشوف .
لكن، هل بوسع بوتين أن يتصرف على نحو آخر، هو الذي يرى محقاً أن الغرب لا يستهدف سلطته شخصياً، وإنما في الأساس، يستهدف روسيا ودورها، وما قبضته القوية إلا عائق بوجه هذا الاستهداف . لا يتصرف الغرب، وروسيا معه بالنتيجة وكردة فعل تبدو مفهومة، على أن الحرب الباردة انتهت، ولم يؤد نزع الإيديولوجيا عن وجه موسكو، إلى تغييرات جوهرية في طبيعة علاقة الغرب معها، وفي علاقته معه .
اعتقد الغرب أن هزيمة الشيوعية في موسكو تعني تلقائياً هزيمة روسيا . حتى الآن أظهرت التجربة خلاف ذلك . فروسيا قبل أن تكون إيديولوجيا، هي جغرافيا هائلة ممتدة بين أوروبا وآسيا، وهي تاريخ عريق في الثقافة والسياسة وفي الروح القومية، التي يستحيل قهرها .
على الغرب ألا ينسى أن نابليون هُزم في روسيا القيصرية، وأن موسكو ستالين استعصت على هتلر، فيما كانت العواصم الأوروبية تتساقط بيديه الواحدة تلو الأخرى .
























