شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 27 سبتمبر 2026م17:57 بتوقيت القدس

أكمنة وأقسام شرطة تعيد انتاج الكراهية

03 يناير 2015 - 23:14
شبكة نوى، فلسطينيات:

بقلم – مصطفى السعيد

عشرات الشباب والصبية قضوا ليلة رأس السنة معصوبي الأعين، يتلقون الضرب على القفا في قسم شرطة باب شرق بالاسكندرية، وغيره من أقسام الشرطة التي كانت تلتقط الشباب من الشوارع والبيوت، لتستضيفهم في حفلات ضرب واهانة في الأقسام.

يوسف محمد أبوزيد الطالب في الصف الأول الثانوي أحد هؤلاء الشباب، خرج قبل الثانية عشرة ليحتفل بلحظة ميلاد العام الجديد في شوارع الاسكندرية، مع عشرات الآلاف من سكان وزوار الاسكندرية، ازدحمت بهم الشوارع، خاصة الكورنيش، وكان معه صديقه محمد خالد مصطفى، فأوقفهما أحد الأكمنة المتحركة، وجاء مخبر ليفتشهما، فاعترض يوسف على التفتيش، وحاول الاتصال بوالده المحامي المعروف محمد أبوزيد، فاقتاده المخبر الى قائد الكمين، الذي تهكم على محاولة اتصاله بوالده، وقال له "انت بتاع بابي ومامي، وأخذه مع صديقه وآخرين، أوقعهم حظهم العاثر في طريق الكمين، لينقلهم الى قسم باب شرق، بينهم شاب يحمل طعاما، وآخر طبيب حديث التخرج.

حفلات الاستقبال في أقسام الشرطة معروفة، وكذلك التهم المعدة سلفا، أقلها "القبض الى حين التحري عن شخصيته" أو "عدم حمل البطاقة الشخصية"، تزيد الى مقاومة السلطات أو حمل شياء غير مشروعة مثل مطواة أو أقراص مخدرة عند اللزوم.

كمائن الشرطة في الاسكندرية هي الهاجس الأكبر لسكانها وزوارها، فمن السهل اقتياد أي شخص، خاصة اذا كان صبيا أو شابا صغيرا، وعند توقيفه بطريقة مهينة كالعادة فان التذمر أو حتى الامتعاض سيكون بمثابة تأشيرة المرور الى الجحيم، من البوكس الى القسم، حيث يجري تقييد الشباب، ووضع غمامة على عيونهم، وأخذهم واحدا تلو الآخر لينال حصته من الاهانة والضرب، وكل حسب نصيبه أو ظروفه أو مدى امتثاله ورضاه بجرعة الاهانة والضرب، فهناك شباب متمرد، لا يحتمل الاهانات، وهؤلاء يتم التعامل معهم بوصفهم خطر على الشرطة، لأنهم يحملون جرثومة تمرد تهدد الأمن العام، ويجب القضاء عليها في مهدها بجرعة من الاهانات والتهديدات والضرب حتى يطلب الشاب السماح والمغفرة.

كانت وزارة الداخلية قد أعلنت عن تغيير واسع في أسلوب التعامل مع المواطنين، ردا على المطالبة بتطهير جهاز الشرطة من منتهكي حقوق الانسان، لكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح، خاصة مع الدور الحيوي للشرطة في مواجهة الارهاب، وتقديم شهداء وجرحى وتضحيات تحظى بالتقدير الواسع، لكن هل تبرر هذه التضحيات استمرار تجاوزات الشرطة بنفس منهج حكم مبارك؟؟ أم أنها كانت فرصة مواتية لنسج علاقة جديدة بين الشرطة والشعب، وتلاحمهما على أسس من الاحترام والتقدير، واحترام القانون والحريات العامة والشخصية.

كانت أقسام الشرطة هذفا للهجوم أثناء ثورة 25 يناير، والمؤكد أنها تعرضت لهجمات منسقة، وأن جماعة الاخوان كانت رأس حربة في الهجوم على أقسام الشرطة، لكن لا يمكن تجاهل أن سمعة أقسام الشرطة، بوصفها أماكن تعذيب واهانةن وأن أبرياء كثيرين أو متهمين قد جرى انتهاك حقوقهم في الأقسام، بعضهم ماتوا تحت التعذيب، لكن الغالبية تعرضوا لدرجات متفاوتة من الاهانة والضرب، وهو ما جعل بعض من لهم ثأر مع الشرطة يهاجمون الأقسام، والآخرون لم يهبوا لانقاذ أقسام الشرطة.

كان يجب التوقف طويلا بالبحث عن سبب مخزون الكراهية تجاه الشرطة، وضرورة التصدي لسبابها، بدلا من القاء التهمة على جماعة الاخوان الارهابية، وتجاهل الأسباب الأهم في مهاجمة أقسام الشرطة أثناء ثورة يناير.

من يتابع وقائع الانتهاكات التي تقع مع آلاف المواطنين في الأقسام والشوارع سيرى أنها تعمل ضد مصلحة الرئيس السيسي، لأنها ستراكم مخزونا جديدا من الكراهية للشرطة والحكومة وبالتالي الرئيس، بدلا من تفريغ المخزون القديم الذي تراكم طويلا خلال حكم مباركن وترك علامات من الألم على أجساد ومشاعر الكثيرين، فهل هي جزء من مؤامرة ضد الرئيس من أطراف مازالت تعمل على اسقاط الدولة، والاساءة الى مؤسساتها، أم أن شرطة مبارك تريد الثأر ممن هاجموها طوال عامي 2011 و2012 ، وتركت جرحا غائرا عن الكثير من ضباط الشرطة، ورأوا أن اعادة هيبة الشرطة لا تأتي الا من خلال استعمال العنف والاهانة ضد المواطنين، حتى يشعر المواطنون بالخوف والرعب من الشرطة، وعندئذ يشعرون أنهم استعادوا الهيبة التي اهتزت.

لا يمكن انكار أن بعض ضباط وأفراد الشرطة يعتقدون أن الشعب المصري لا يصلح معه سوى العنف والاهانة، وأن المعاملة الطيبة علامة ضعف، وأن خوف الناس من اشرطة يشعرهم بالفخر والمكانة المرموقة.

ربما تمكن يوسف من خلال والده أن يحصل على حقه، من خلال النائب العام الذي تلقى مذكرة عن انتهاكات الشرطة ضده، لكن هناك عشرات الآلاف الذين يصعب سماع صوتهم الواهن أو البعيد عن الاعلام، لكن أنينهم وتذمرهم علامة على أن الأخطاء مستمرة، وأنها تعيد انتاج الكراهية، وأنها برميل بارود قابل للانفجار، أتمنى نزع فتيله سريعا.

الأهرام المسائي 4-1-2015

كاريكاتـــــير