ريهام عودة *
يتميز الإنسان منذ عدة عصور زمنية ببحثه المستمر عن الأمن والحماية والراحة النفسية، فالنفس البشرية منذ الأزل، وهي تبحث عن ارتباط ما مع الخالق، أو الطبيعة، أو أي إنسان أخر قد يمدها بشعور من الطمأنينة، والإحساس بالأمان، فقبل بداية عصر الديانات السماوية الثلاثة صنع البشر لأنفسهم أصنامًا تجسد أشكالهم الآدمية، من أجل عبادتها، حيث رأوا أن هذه الأصنام هي الآلهة التي سوف توفر لهم الحماية والأمان وسوف تساعدهم على تحدي الصعاب و حل جميع مشاكلهم اليومية، وذلك فقط بمجرد الإخلاص لها وتقديم القرابين، والتودد لتلك الأصنام في كافة المناسبات.
لكن مع بدء عهد الديانات السماوية، ظهرت ثورة دينية في شبه الجزيرة العربية، وفي بقاع أخرى من العالم، وبدأ الرسل والأنبياء يُبَشرون الناس بأن هناك اله واحد هو من يستحق العبادة، وأن الأصنام التي صنعوها بأيدهم لن تجديهم نفعا، ولن تحميهم، ولن تساعدهم أبدا، فهذه الأصنام ممكن أن تتحطم في أي لحظه و تتحطم معها جميع أحلامهم وأمالهم، فالخلاصة التي دعت إليها الديانات السماوية الثلاثة بكل بساطه تتلخص في عبارة نفي واحدة وهي:"لا لعبادة الأصنام".
ولكن في عصرنا الحديث، و في عالمنا العربي مازال هناك أناس متأثرون بفكرة وثقافة عبادة و تقديس الأصنام التي يصنعوها بأيديهم، لكن تلك المرة طبيعة الأصنام التي يعبدوها تختلف تماما عن الأصنام الوثنية القديمة، ففي القدم كانت الأصنام تصنع من الطين والحجارة والخشب. أما في عصرنا هذا، وفي القرن الواحد العشرين فنحن نصنع أصنامنا من البشر أنفسهم وعندما تنهار وتتحطم تلك الأصنام البشرية تتحطم معها أحلامنا وأمالنا، ونشعر حينذاك بأننا خسرنا مصدر الحماية والأمان لنا سواء في حياتنا الشخصية أو العملية.
للأسف يقع كثير من أفراد الشعوب العربية في فخ عبادة أصنام بشرية صنعوها بأيديهم. و ذلك عن طريق تقديسهم لشخصيات عامة بشكل مبالغ فيه، على سبيل المثال كأن يقدسوا قائد أو زعيم سياسي ما، حيث يقومون بتعليق كل أمالهم و أحلامهم على هذا القائد وينسوا أن هذا القائد ما هو إلا إنسان عادي قد يخطئ وقد يصيب، قد يخطط لهم لمستقبل جيد أو قد يقودهم إلى الانهيار، وقد يكون ممثل بارع ذو كاريزما معينة، ويستطيع أن يجذبهم بشكل مزيف و يبشرهم دائما بالنصر، وقد يكون إنسان صادق وواقعي لكنه غير جذاب، ويناقشهم بصراحة عن احتمالية النصر أو الهزيمة.
المواطن العربي بطبيعته عاطفي و يحكم على قائده بمدى الكاريزما السياسية التي يتحلى بها هذا القائد بدون عمل أي تحليل أو نقد منطقي لطبيعة الخطاب السياسي الذي يلقيه أمام المواطن العادي.
و الكثير من المواطنين العرب قد يتناسون الطبيعة البشرية التي لا تستطيع الخلود للأبد، لذا يستمر الكثير منهم، وخاصة الشباب بتقديس شخصيات سياسية معينه، يرتبطون بها، و يعلقون مستقبلهم و مستقبل أمة بأكملها عليها وينسوا أن كل ما هو على هذه الأرض هو بكل بساطة فان و أن التغيير هو الثابت الوحيد في هذه الحياة.
وقد تبلغ سذاجة بعض المواطنين العرب مستوى كبير، عندما يدعون أن قائد معين يعتبر بالنسبة لهم بمثابة والدهم، وأنهم من دونه لا شيء، الأمر الذي يعزز الاعتمادية المباشرة على السلطة الأبوية الشرقية التي تُفضل أن تحكم دون أن تسمح بمناقشة الأبناء أو الشعب بالقرارات التي يتخذها الأب الحاكم، فتصبح سلطه هذا القائد كسلطة الأب الذي يجب أن يطيعوه جميع الأبناء بدون أي مناقشة أو مراجعة لقراراته، حتى لو كانت خاطئة ، ويصبح المواطن الذي انتقد قرارات الأب الحاكم كالابن العاق الذي يجب أن يطرد من رحمة والده.
ومن المظاهر التي تدل أيضا على سذاجة بعض المواطنين العرب والمثقفين العرب عندما يقولون عبارة أنه "من ليس له كبير يجب أن يبحث عن كبير"، وهذه العبارة تعود إلى الفكر القبلي حيث هناك شيخ كبير لقبيلة ما، وهو من يحكم القبيلة بأكملها لوحده، وتعتبر سلطته و أعرافه بمثابة قوانين إلزامية يجب على جميع أفراد القبيلة أن يحترموها، ويطيعوها دون أية مراجعة أو مناقشة لها، وهنا تتلاشى ماهية الدولة المدنية ودستورها وقوانينها التشريعية التي يجب أن تكون كمرجع موحد لكافة المواطنين، بحيث يتساوى الجميع أمام قوانين الدولة و لا يخضعون للسلطة المزاجية للحاكم، فالدستور والقانون يجب أن يكونا هما الفَيصّل الوحيد، و رأس الدولة الذي يجب أن يمتثل أمامهما الجميع بدءًا من المواطن العادي وصولا إلي الحاكم أو القائد الأعلى للدولة.
إنها بالفعل أصنام بشرية صنعناها بأيدينا وقدسناها لحد العبادة، إنها أصنام صنعناها لدرجة أننا عندما نواجه مشكلة صغيرة بحياتنا اليومية نتهرب من مسئولية مواجهتها، ونتهرب من التحديات التي تعترضنا، فنهرع إلي لوم الآلهة البشرية التي نعبدها، ونناشدها في كل مرة لتنقذنا، و ننسى أو نتناسى أننا نتحمل المسئولية الكبرى عن حياتنا وقراراتنا، ومستقبلنا وحتى قدرنا.
إننا نتجاهل أيضا أن هذه الأصنام الآدمية، ما هي إلا بشر مثلنا، لا تملك أن تقدم لنا الحل السحري لمشاكلنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إنهم بشر عاديون، كانوا أيضا يعبدون أصنام بشرية أخرى مثل بعضنا، و قد تحطمت أيضا أصنامهم عبر الزمن .
لذا يجب علينا كشعوب عربية واعية، بدلا من أن نصنع أصنام بشرية، أن نقوم بالعمل على المطالبة بتطوير مزيد من القوانين المدنية التي يجب أن ، وتحمي حقوقنا الأساسية، ويجب علينا كمثقفين عرب أن ندعو إلي تعزيز سلطة الدستور والقانون، وأن لا نقدس إلا الخالق، وأن نبتعد عن تقديس البشر مهما كانت سلطتهم، فلا خلود لإنسان على وجه الأرض، فالبشر زائلون و الوطن هو الباقي!
*كاتبة من غزة
























