غزة- خاص نوى-شيرين خليفة:
على باب غرفة التوليد؛ تقف الخمسينية نجاح دبور بانتظار ابنتها التي تضع مولودها ما زالت داخل (كشك الولادة)؛ وتقول:" اللي بيحصل في النساء بقسم الولادة حرام ولا يرضاه بشر، كيف وحدة رح تولد تفوت غرفة ولادة كلها دم يمكن يكون ملوث ينقل ميكروبات جسم الوالدة حساس بيلقط الميكروبات بسرعة، كمان رائحة الدم خانقة في الكشك، يعني لما ينولد الجنين مش رح يتحمل؛ إذا ما انتقلته عدوى رح يموت من الريحة، يعني الوحدة فوق وجعها رح تموت من الريحة والخوف".
بدت السيدة نجاح غاضبة بشدة، تقول:" احنا من يوم الخميس بالمستشفى لأن بنتي تعسّرت ولادتها؛ مش معقول الحالة اللي بنشوفها، جبت معي من بيتنا كلور، وشطفت الغرفة التي تبيت فيها ابنتي، وقبل الولادة دخلت الكشك نظفت السرير اللي رح تولد عليه، صحيح العاملات بالنظافة بيعرفوا أكتر شغلهم وأن المكان محتاج تنظيف خاص، بس بأنظف ولا اسيب المكان هيك".
قسم الولادة في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، والذي يعتبر الأكبر على مستوى قطاع غزة، يستقبل مئات الحالات يومياً، يخدم مدينة غزة؛ كغيره من أقسام المستشفى؛ يعاني من تردي في الأوضاع الصحية نتيجة إضراب عاملات النظافة، ما أثقل كاهل العاملات في هذا القسم والنساء اللواتي يعانين أصلاً آلام المخاض. أروقة القسم من غرف وممرات امتلأت ببقايا المستهلكات الطبية من قطن جروح ودماء وخراطيم محاليل طبية، وما تحمله من مخاطر صحية، ناهيك عن وضع غرفة التوليد المعروفة باسم (كشك الولادة) والتي تنتشر فيها الدماء على الأرض بغزارة، ورائحة تزكم الأنوف.
إضراب شركات النظافة في مستشفيات قطاع غزة؛ يتواصل دون حلول تلوح في الأفق لأزمة مستحقاتهم المتراكمة على الحكومة الفلسطينية منذ ستة أشهر؛ ما يهدد من تزايد سوء الوضع الإنساني والتخوف من أمراض ومشاكل صحية قد يواجهها المرضى بسبب تراكم نفايات المستهلكات الطبية.
في غرفة العناية الفائقة، المكان المخصص للنساء اللواتي يعانين من مشاكل صحية في الحمل كارتفاع الضغط والإجهاض؛ يبدو الوضع أسوأ، فالنساء هنا يفتقدن القدرة على رعاية أنفسهن بأي شكل، ووضعهن أكثر خطورة، تعاونت بعض النساء كل واحدة أحضرت كلور ومواد تنظيف من بيتها، وعملن على تنظيف الغرفة قدر المستطاع، لم يكن الوضع جيداً تماماً، ولكن على الأقل للتخفيف من بشاعة المشهد القائم.
تقول إحدى النساء الحوامل –فضّلت عدم ذكر اسمها-:" دخلت القسم نتيجة نزيف أصابني أثناء الحمل، ويتم تغيير المحلول بشكل دائم، الأرض مليئة ببقع الدم، ورائحته قاتلة، خايفة إذا كان النزيف ما بيشكّل خطورة صحية عليا؛ وضع القسم هو اللي يتسبب بمضاعفات أكبر، تعبانة ووضعي الصحي سيء، وفوق هيك ريحة المكان رح تقطع نفسي، غير خوفي من أن كتر الدم تنقل عدوى وميكروبات".
وبصوت ضعيف متقطع تقول:" هذا الحمل وانا حالياً في الشهر الخامس، هو زراعة، وأي خطورة سواء كانت صحية بسبب النظافة أو غيرها لن يتحملها الجنين".
خطورة الوضع
أما السيدة أم محمد أبو علي، والتي تعمل في قسم الولادة كموظفة أمن، تطوعت بالحديث عن الوضع بعد رفض الطبيبات، حيث قالت:" قسم العناية الفائقة يستقبل نحو 20 حالة يومياً، يحتجن رعاية خاصة، ونظافة خاصة، لأن تنظيف الأقسام كانت العاملات المضربات قد تعودن على مهامهن، ويعرفن الفرق في كيفية التنظيف بين غرفة وأخرى.
وتابعت:"قد لا يكون تنظيف الغرف والممرات مشكلة، لأنه يحتاج إلى استخدام الكلور لقتل الجراثيم والحذر عند التنظيف، لكن هناك غرف وأقسام تحتاج لرعاية خاصة مثل غرفة العناية الفائقة وكشك الولادة وغرف العمليات، تحتاج نوع كلور معين وهو الكلور المركز، وكذلك طريقة التنظيف مختلفة، فالعاملة تعرف أنها ستنتبه لكل صغيرة وكبيرة في المكان منعاً لنقل الجراثيم، وهذا لن تتمكن منه النساء الوالدات وعائلاتهن.
وتابعت:"نحن اضطررنا إلى طلب مساعدة الأهالي، فكل سيدة تنظيف مكان ابنتها، كما أننا لا نستطيع الاعتماد على المتطوعات، لأنهن غير مدربات والعمل هنا يحتاج رعاية واهتمام خاص.
إدارة مستشفى الشفاء اضطرت لإغلاق إحدى غرف العمليات، والاكتفاء بغرفة واحدة، وهذا غير كاف بحسب مسؤولين فيها.
نسرين كلوب"42عام"تعمل في قسم الولادة كمراسلة، مهمتها كانت تقتصر على العناية بالنساء التي وضعن حملهن، ومساعدتهن على تبديل ملابسهن، وتجهيز المولود، إلى أن تصل السيدة لغرفة الملاحظة الخاصة بالنساء اللواتي وضعن حملهن.
تقول نسرين:"حالياً مع إضراب عاملات النظافة، اضطررت للمساعدة في عملية التنظيف، خاصة في كشك الولادة، فأهالي النساء لن يكون لديهن الخبرة والمعرفة بكيفية تنظيف كل قطعة، وكيفية شطف المكان بعد الولادة، لكن وحدي لا أكفي، لا حل سوى بعودة العاملات".
تعمل في مستشفيات قطاع غزة 9 شركات نظافة، القسم الأكبر منها في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، قسم الولادة وحده كانت تعمل فيه نحو 30 عاملة نظافة، يبلغ راتب كل منهن 700 شيكل شهرياً، حرمت العاملات من تلقي رواتبهن منذ ستة أشهر، أي بعد تولي حكومة الوفاق الوطني لمهامها، ولكن بقيت قضية شركات النظافة ومستحقاتها على الحكومة عالقة، إلى أن جاء اليوم الذي عجزت فيه هذه الشركات عن القيام بمهامها، فسحبت كل موظفيها، لتبقى مشكلتهم عالقة، وصحة الناس في خطر.
























