المشهد السياسي في إسرائيل يتحول في غضون أسابيع قليلة إلى مشهد مثير. وأكثر ما هو عصيّ في قراءة هذا المشهد هو هذا الاختلاط والتداخل فيما بين ما هو شخصي وخاص وفئوي وما هو سياسي وفكري. وبين اختلافات تُبنى وتتأصل على افتراق ما بين يمين متطرف (قومي ديني إثني عنصري) ويمين ما زال يهتم بالغلاف الليبرالي لمقولاته ورؤاه وسياساته تسقط حكومة نتنياهو على الرغم من كل قدراته المشهود لها في المناورة والتحايل للإبقاء على هذه الحكومة.
أكثر ما يدل على الطابع المثير لهذا السقوط هو أن الحكومة الإسرائيلية التي كانت آيلة للسقوط. على كل حال قد تحوّل التعايش بين أطرافها إلى أمر أقرب إلى المستحيل بسبب أن المعارضة للحكومة قد جاءت في داخل الحكومة ولم يكن للمعارضة بالمعنى التقليدي للكلمة أي دور معروف في هذا الإسقاط.
أطراف الحكومة عملت على إسقاط الحكومة ونجحت في إجبار نتنياهو على التسليم باستحالة بقائها في الأيام الأخيرة أدرك نتنياهو أن من الأفضل له أن "يتعبّط" هو بنفسه الذهاب إلى الانتخابات المبكرة لكي يمارس هوايته المفضلة حول "الأهوال والأخطار" التي تهدد الدولة، ولكي يمارس هوايته أيضاً في الحديث عن بطولاته للحفاظ على يهودية الدولة من جهة وعلى كون هذه الدولة هي "الدولة القومية للشعب اليهودي من جهة أخرى". يعتقد نتنياهو أن الدولة اليهودية السافرة في يهوديتها والأعلى شأناً من الديمقراطية هي الميدان الذي سيتفوق فيه على اليمين الإسرائيلي الذي يفضل الدولة اليهودية الضبابية فيما يتعلق بمعادلة التوازن ما بين اليهودية والديمقراطية.
ويعتقد نتنياهو أن حالة التشرذم السياسي مستخدمة إلى أبعد الحدود طالما أن استطلاعات الرأي في إسرائيل لم تعد تعطي لأي حزب من الأحزاب ما هو أكثر من عشرين مقعداً في الكنيست القادم.
اليمين القومي الديني العنصري في كل الأحوال سيحصل على أغلبية بسيطة بعد أن ضمن نتنياهو انضمام "الحريديم" إلى جبهته الجديدة، وبعدما فهم "توق" شاس إلى البقاء في دائرة هذه الجهة القادمة في إسرائيل. كل القوى التي تحسب على "اليسار" والقوى اليمينية الليبرالية لا تستطيع (حسب الوضع القائم اليوم) أن تصل إلى تخوم "الستين مقعداً" ولذلك فإن نتنياهو ما زال مطمئناً إلى مستقبله السياسي بعد الانتخابات القادمة التي حددت في السابع عشر من شهر آذار القادم.
الحقيقة أن الصراع لم يعد في إسرائيل ما بين يمين ويسار، والصراع لم يعد صراعاً ما بين حكومة أغلبية ومعارضة بالمعنى المتعارف عليه، وإنما تحول هذا الصراع ـ على الرغم من الدرجة العالية والمبالغ بها من الشخصانية والفئوية ـ إلى صراع ما بين دولة إسرائيل التي تحافظ على غلاف ليبرالي ودولة عنصرية يهودية سافرة لا يعنيها في أمر الديمقراطية في شيء، إلاّ بقدر ما تكرس هذه العنصرية.
إذن نحن أمام مشروع دولة تل أبيب ومشروع دولة القدس.
صحيح أن هذه الانتخابات لن تشهد معارك "ضارية" بين أنصار الدولتين حول الحل مع الشعب الفلسطيني إلاّ في سياقات هامشية.
وصحيح أن علاقة إسرائيل بالولايات المتحدة وعلاقة إسرائيل بالاتحاد الأوروبي أكثر أهمية في الصراع السياسي من العلاقة مع الشعب الفلسطيني كما تدل كل المؤشرات، إلاّ أن المجتمع الإسرائيلي الذي خاض الانتخابات الأخيرة بتجاهل تام لهذا الصراع لم "يكتشف" بعد أن كل مظاهر الخلاف ما بين دولة القدس ودولة تل أبيب ليس له إلاّ سياق واحد وهو سياق الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وان الاستمرار في تجنب الخوض والانغماس التام في أصل وفصل هذا الصراع سيعيد إسرائيل في كل مرة إلى المربع الأول.
ان يتخذ الصراع في هذه المرحلة من زاوية المظهر الطابع الشخصي والفئوي فهذا لا يغير شيئاً في حقيقة الموقف وفي جوهر الاختلافات التي تطفو على سطح المشهد السياسي في إسرائيل.
قليلة هي الفئات التي تدرك حقيقة الموقف، وقليلة هي القوى التي تدرك استحالة الهروب الدائم إلى الأمام والتهرب من الإجابة عن الأسئلة والاستحقاقات المفروضة والتي باتت ملحة إلى أعلى درجات الإلحاحية عن إسرائيل.
إسرائيل.. كل إسرائيل تحاول التعمية على الاختلافات، والكل متورط في شخصنة الصراع كل من زاويته ومن خلفية أهدافه، وذلك لأن انكشاف الصراع على حقيقته يضع القوى والأحزاب السياسية أمام المرآة ليرى كل حزب وجهه الحقيقي.
كلهم يهربون والفرق الحقيقي هو الفرق بين من يهرول مسرعاً وبين من لا تساعده ملابسه الأنيقة على مثل هذه الهرولة.
أما وان المشهد الإسرائيلي على هذه الدرجة من التشرذم، وهذه الدرجة من التعمية والتنصلية السياسية، وعلى هذه الدرجة من المحاباة الشعبوية لجمهور حقن بالعنصرية على مدى سنوات طويلة، وعلى درجة أكبر وأكبر وبما لا يقاس من التوهم بأن تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني أمر ما زال ممكناً ومتاحاً في الساحة السياسية فإن الشعب الفلسطيني مطالب بإفاقة هذا المجتمع.
إسرائيل تحتاج إلى عدة صدمات كبيرة لكي تفوق من ترف الاختيار ما بين العنصرية والغلاف الديمقراطي، والشعب الفلسطيني هو القوة الوحيدة القادرة على إحداث هذه الصدمات. يبدو أن الجنايات الدولية واحدة من أكبر هذه الصدمات (ليس كفعل مباشر) وإنما كمقدمة لنزع الشرعية ليس عن الاحتلال وإنما نزع الشرعية عن المشروع الصهيوني برمته.
إسرائيل تعطي للشعب الفلسطيني في نسخة دولة القدس على وجه الخصوص آفاقاً رحبة وواسعة لإسقاط نظام التمييز الذي تحاول إسرائيل اليوم شرعنته وتحويله إلى نهج جديد في بنية الدولة وفي واقعها السياسي، وهذه معركة كبيرة ومهمة ومصيرية وهي معركة صادمة لإسرائيل وقد تؤدي إلى الصدمة الكبرى إذا أحسنا إدارة الصراع في دولة القدس القومية الدينية الإثنية العنصرية.
إسرائيل تدخل مرحلة جديدة، وفلسطين مطالبة بالتالي بالدخول إلى مرحلة جديدة مقابلة. لقد بات ضرورياً أن نعقد المجلس الوطني ونضع شعبنا أمام الحقائق الجديدة ونرسم له معالم الطريق الجديد.
دولة القدس عنصرية ودولة تل أبيب ليست ديمقراطية ونحن من سيحسم التحول من هذه إلى تلك أو بالعكس وقد يكون لنا شرف الإسهام في انتصار الديمقراطية على اليهودية في إسرائيل.
























