شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 28 سبتمبر 2026م19:02 بتوقيت القدس

خالد جمعة وإيهاب بسيسو في حضرة نوى:

غزةَ لا تطرد أحدًا، وسترد روحها الثقافية

02 ديسمبر 2014 - 07:30
شبكة نوى، فلسطينيات:

 

نوى/ إسراء المدلل

تُوجعهم المدينة آلام التي اغتربوا عنها، همومهم البسيطة كبرت معهم، شعرًا وفنًا وذائقة خاصة حين يذكرُ اسم "غزة"، الشاعران خالد جمعة وإيهاب بسيسو في حضرة نوى.

كلما قرأت اسم المدينة، في أبيات الشاعر خالد جمعة ستعرف أنها "غزة"، وقد كتب فيها"عَلِّمُوا أبناءَكُمْ، أنَّ الأوطانَ أشجارٌ وغرزةٌ في ثوبٍ وذكرياتُ أغنيةٍ على الكرملِ البعيد، وتهليلةُ أمٍّ لأوَّلِ أبنائِها، وصوتُ البحرِ قبلَ الصُّبحِ بطائرين، (...).

أينما حلَ الشاعر الغزي جمعه يبقى معلقاً بمخيم الشابورة في مدينة رفح، وُلد وترعرع وعاش فيه، تربى من بساطته، ورائحة فلافل "الشاعر" الذي كان يَرتاده هناك، عدا عن بقلاوة" أبو عواد"، واللعبة الوحيدة العالقة في عشقه لأرض المخيم" مرجوحة الحارة" في الأعياد.

يكتب خالد الشعر للأطفال، والمسرحيات، وكلمات الأغنيات، والأوبريت، فالإبداع ليس له علاقة بالظرف أيًا كانت قسوته أو مرونته، يقول خالد المقيم في رام الله في حديثي معه عبر شاشة "السكايب" :" رام الله أثرت عليّ سلباً، فالموضوع عكسي لأن بطاقتي الشخصية من إصدار غزة، لا أستطيع السفر أو الخروج بها للدول الأخرى، خسرت ست عروض مهمة".

الحرب هي الاستثناء!

إذًا لماذا رحل خالد عن مكان هويته الأولى" غزة"؟، باغته بسؤال، يجيب بنبرة هادئة، وخلفه صوراً بالأبيض والأسود  معلقة على الحائط، كأنها تشير إلى مسيرة حياته" من الصعب أن تعيد رام الله تأثيري داخل الأمكنة، لأني مليء بغزة. ما يختلف هو خروج هذه الأشياء مني، في شكل إبداعي أم حنيني، الإبداع عندي هو المتعلق بالحالة، كأن تقرأ النص فتقول هذه غزة ".

يضيف:" أثناء إقامتي في غزة، على مدار سنتين، عملت على تجهيز"سي دي" مع الفنانة ريم تلحمي وسعيد مراد، كانا يحرصان على جدولة أوقاتهما حسب جدول الكهرباء، أخذ ذلك وقتًا طويلًا" قراءة وإرسال الرسائل البريدية وإجراء مكالمات عبر "السكايب" واستخدام وسائل اتصال كثيرة للتواصل"، ما كان سيأخذ كل هذا الوقت في مكان آخر غير غزة، على العكس، هنا في رام الله التقيت بهم وبشعراء و كتاب زملائي وأصدقائي، كنا نلتقي فقط عبر الفضاء المعلق، وأصبحت أنجز مهامي بشكل أسرع ".

في رام الله يتابع خالد جمعة الإنتاج الموسيقى ويزور معارض للكتب، ويشارك في الأمسيات الشعرية، وهذا متوفر هناك أكثر من غزة، المتحفظة في علاقتها مع أشكال الإنتاج الثقافي، مما يعيق عمل الفنان، وتدفعه للتفكير في طرق أكثر سهولة للوصول بفنه إلى العالم الخارجي، يقول" الكتابة هو الأسلوب الجمالي للمدينة والأشياء، وفي الوقت الذي يُمجد فيه الشاعر أبي نواس والذي كتب عن النساء والخمر، قد يشحن المجتمع الغزي حملة تكفير وتعنيف ضد شاب شاعر يكتب بمثل هذه التعابير أو التشبيهات.

وعن الحالة الثقافية في غزة يقول:" في غزة كم هائل من الشباب القصّاصِين والموسيقيين، يُذهَل بهم شعراء كبار من الضفة الغربية، كالفتاة الشاعرة رنا مرتجي، وهي في السادسة عشر من عمرها، وكلما إزداد الوضع سوءً إزدادوا عدداً، وكل التحية لهذه القوقعة الصغيرة التي تعاني من أزمة السفر"،

أن اكتمل تشكيل خالد الوجداني بالطرق الذي حفظها، يشبه غزة بالمدينة العنيدة والمجروحة و البحرية، و الطيبة و مسميات أخرى تشبهها تماماً.

هناك فسحة أمل

"إيهاب، درس في بريطانيا، ويوم تخرجه، ألبسني قبعة التخرج، وقال هذه شهادة الهندسة لكِ، تخرجت منها لأجلكِ أمي والآن أطلقيني"، فأكمل الماجستير في الإعلام في جامعة كاردف في ويلز‏" هذا ما قالته رجاء بسيسو وهي تشير إلى صورة الشاعر والناطق باسم حكومة الوفاق حالياً د. إيهاب بسيسو.

درس إيهاب بسيسو البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في بريطانيا، يتقن الإنجليزية وهو شاعر معاصر، وصاحب قلم و رؤية سياسية، خرج على الإعلام العربي والأجنبي كمحلل سياسي، وبقى بسيسو يعرف أولاً بشعره، أصدر ديوان "نورس الفضاء الضيق"،و" يحدث في ساعة الرمل"، و"كأنك تراك"، وأخيراً "حين سار الغريب على الماء" وهو الديوان الأول الذي أصدره من رام الله حيث يقيم حالياً، وسيصدر له كتاب جديد قريباً.

إيهاب الشاعر، شكل امتدادا للثقافة الفلسطينية، وسجل انفتاحا على الثقافة الغربية في أدبه وخطابه السياسي. نجد في بيته بغزة شموخ عائلة تخرجت من تاريخ مجيد أوجده الشاعر الكبير معين بسيسو وأباه ياسر بسيسو وأمه الملمة والقارئة بتفاصيل تاريخ الأدب العربي المعاصر، ففي كل زاوية من زوايا البيت كتب حمل بسيسو اشتياقه وألمه على غزة الإنسان.

"هي الحَربُ

" جُنودٌ يُولدون من عَتَمةِ الوقتِ ...

يُفاجِئونك بِمَوتٍ عَابرٍ ... ورَصَاصْ ...

فتحمِلُ ما ادَّخرتَ من حَياةٍ  بَينَ يَديكْ ...

وتَذهبُ إلى التَّفاصيلِ اليَومِيَّة  المُرتبكة بَيَنَ قذيفتينْ ... عَلَّك تُصلِحُ خَللاً في مِيزانِ الوَقتِ

فتَراكَ دُونَ جُرحٍ، أو جَنازَة ! "

لصوته الحاضر دفء المدينة، يحدثني إيهاب بهدوء وجمال لغته، عن الغياب عن غزة منذ حوالي العشرين عاماً، يقول "هناك علاقة خارجية تجاوزت إمتدادات الجغرافيا والسياسة، مشهد تفاعلي معه روحي والذاكرة في نشأتي بغزة، غزةّ التي مازلت أحفظ شوارعها وبيوتها وشكلها، وهذا يجعل منها حالة إستثنائية، حالة تسيطر على كتاباتي".

 

لم يستطع بسيسو إدراك إصداره أربع دواوين شعرية في حال كان موجوداً في غزة، هو يرى أن حالة الإبداع لا علاقة لها بالمكان، بل غزة من ساعدته على حالته هذه.

 في حضور غزةَ في شعر وذاكرة إيهاب فإنه لا يفصلها عن المحيط السياسي والثقافي التي تعاني منه مقارنةَ بالمدن الأخرى، ولكنها أيضاً حسبما وصف "حاضنة الفن" وقد كان يتردد إلى دور السينما، اليوم وقد يغيب المسرح ودور العرض السينمائية يأتي دور الشباب رغم النواقص في مكونات المشهد الثقافي التي لم تُوقف أهل غزة عن ممارسة حبهم للفن بأشكاله المختلفة.

يضيف:" أدرك أن الكتاب والشعراء بغزة يسارعون من أجل بصمتهم، بالتالي العوائق في عدم وجود مسرح وسينما لن توقف الغزي عن الإبداع والشعر، بل إن المشهد برمته يدفعنا إلى الأمل رغم كل التحدي". تلك المدينة تستمد من سيرتها الأسطورية وبريقها اللامع في الإندهاشات الجميلة للإبداع والجمال".

رغم الحصار القائم على القطاع، إلا أن الشاعر إيهاب يوقن تماماً أن غزةَ تستطيع تحدي هذه المعيقات والخروج بصورة تعكس وجهها الحضاري الذي ينتمي إليها روحاً - حسب وصفه-.

يقول"غزة سترد روحها الثقافية وستعيد منارتها المشعة، أدوات الحالة الراهنة هي مسألة لا يمكن أن تكون دائمة، الإبداع أكثر مرونة من السياسة"

يرد بسيسو، على من ينتقد بعده عن غزة، وإقامته في رام الله،"غزةَ لا تطرد أحد، بقدر ما هي الظروف التي أبعدتهم، أنا أشعر بأنني دائماً بحالة سكن مؤقت، وسأستقر وأعود لغزة، ولكن الشاعر يحتاج إلى من يحتضه، والأديب يبحث عن حاجةٍ تستطيع أن توفر له الحد الأدنى من الأكسجين الثقافي".

عن مستقبل الثقافة يقول، "أنا منحاز لنصف الكوب الممتلئ، حتى لو كانت نسبة الامتلاء قليلة للبعض، هناك فسحة أمل لنعيد المشهد، فالثقافة هي بكل رواسبها أداة من أدوات الوجود والثقافة تعني احترام التنوع، أما الإقصاء و إلغاء الآخر، يخلق الأزمات".

إذاً يرى إيهاب بسيسو أن وجود الدواعي الدينية والاجتماعية، تخلق الثقافة بإتجاه آحادي، وبالتالي هذا يحد من القدرة في التشكيل الثقافي والذي يمكنه التصالح مع التنوع من أجل إدارة حقيقة، لفتح هذه الأماكن من أجل أن تدخل الشمس على البيوت المغلقة، "نحن نستطيع أن نمتلك العالم من غرفنا الصغيرة، فالمشكلة ليست بالمشاهدة بل في الحياة".

يكبر الشاعر برفقه شوق المكان وحنينه إليه، ولوالدة الشاعر إيهاب ذكريات وجلسات ما تزال تستذكرها في أحاديثها تقول:" كان يقعد جنبي المساء، هو كائن ليلي، ويقرأ لي مما  يكتبه، أبوه يقول: قاعد مع أمك وبتقلها، يقول له: أمي تحس بي أكثر،  تفهمني أكثر، وكل ما يجيني على غزة بطبع لي كل أعماله، نسهر وهو يقرأ لي".

 

 

كاريكاتـــــير