نوى_اسراء المدلل
زكية "أُم علي" -في نهاية العقد الثالث- يعمل زوجها تاجر في شركة استيراد وتصدير قطع غيار السيارات، كل يوم سبت تذهب للسوق الشعبي، لتحصل على احتياجات عائلتها، وأسر أولادها المتزوجين. وفي اليوم التالي تصطف في طابور لاستلام حصتها من الكوبونات في مركز توزيع تابع لوكالة الغوث " الاونروا" في دير البلح .
لاقت أم علي، ترحيباً مجتمعياً لوقوفها في طابور" الكوبونات"، هي أيضاً لم تعد تلقَ إحراجاً في ذلك،ففي مرات كثيرة تجد نفسها مقتنعة بأسباب ذهابها، ولكن هل اعتادت بقية النساء على ذلك، أم أصبحت الكوبونات حرفة النساء ومن المُسَلمات المجتمعية؟
سألت عواطف، سهيل، ودينا من عائلة يونس، جميعهن في الثلاثينيات من العمر، يَسكنَ في جنوبي القطاع،سؤال بسيط هو، لماذا يقفن في طابور لاستلام الكوبونات؟ ولماذا هنّ وليس أزواجهن؟رفضت ثلاثتهنّ التحدث والإدلاء بآرائهن.
أكثر من لفتت انتباهي في الطابور، فتاة لم تتجاوز الثامنة عشر، رأيتها مراراً تقف في انتظار صرف الكوبونة، وباءت محاولاتي في الحديث معها بالفشل، كل ما أدلت به كان اسمها "سعاد".
" الكوبونات" أكياس الدقيق والسكر وعُلب اللحمة و قنينة زيت السيرج حسب أعداد أفراد الأسرة الواحدة، يُختم عليها شعار مؤسسة ما، وتوزع كل ثلاث شهور تقريباً أو أقلمن مؤسسة خيرية أو من الأنروا أو وزارة الشؤون الاجتماعية، لها طابع خاص،ومراكز استلام معروفة، تحمل النسوة أغراضهن في (عربة حمار عادةً أو تكتك)، وفي حالات نادرة- إن أكرمها زوجها بعشرة شواقل- تستقل سيارة (طلب). يطول انتظار النساء من الصباح الباكر حتى الظهر، وهو عمل شاق لا يستنفذ الوقت فقط، ولكنه يتطلب المزاحَمَة و الصراخ والاختلاط في مجتمع يرى نفسه محافظاً جدًا.
حاولت التحدث مع "ام علي" مراراً لإقناعها بإجراء المقابلة، وحين وافقت طلبت ان نقف جانباً وبعيداً عن الطابور، وبدل ان أسألها " هل أنتِ راضية عن تواجدك هنا؟"، سألتها، "لماذا؟، هل تشعرين بالحرج؟ هل تخجلين أن يراك احد وأنتِ تقفين هنا لساعات طويلة؟"
تجيب باستغراب،" أول مرة يسألني أحد مثل هذا السؤال،لا أحديهتم، يزداد الفقر، البطالة، وغيرها، ونسب الطلاق والعنف، هذه الوقفة تجلب لنا مؤنة البيت، وهو رزق، لا يهمني ما قد يقوله الأخرون، لا يوجد لدي خيار آخر، ولا أستطيع رفض الكوبونة، أنا سيدة كبيرة، لماذا قد ينظر إليّ أحد، لهذا لا أسمح لزوجات أولادي للقدوم، فهن صغيرات بالسن، وقد يُنظَر لهن بشكل مسئ، وزوجي مشغول في عمله وأنا المكلف الرسمي".
تشاركنا الحديث، أميرة توفيق، في الثلاثينيات من العمر، هي جارتها من نفس الحارة، قائلةً" لا أحب القدوم إلى مركز توزيع الكوبونات، أكره هذا اليوم، أتصبب عرقاً، أنا حامل في الشهر الخامس، زوجي يعلم بذلك، ويعرف تعبي خاصةً مع الحمل، ولكن لا يمكنه الإعتراض على رغبة حماتي، هي تقول أن علي أن آخذ دورها، والآن لا أحد في البيت يرى أن ذهابي مشكلة، أنا لا أريد لها أو لي الذهاب" سألتها: لماذا الرجل لا يفعل ذلك؟، "زوجي يعتبر أن هذا دوري ومن مسؤولياتي وستكون إهانة له في مكان من شأن "النسوان" يقول، ايش أروح أعمل مع النسوان،"أنا الزلمة" .
يعتبر ياسر عوض (40 عاما)،ويعمل سائقا ويسكن شرقي رفح ان الأمر عادياً أو مقبولاً لديه في أن يرسل زوجته إلي طوابير الكوبونات، إلى مكان يزاحمها الجميع فيه ومن الرجال أيضاً، يضيف" الحال هواللي عمل فينا هيك، أنا كمان ممكن أروح بس هدول أغراض مطبخ وبيت وهي الأدري فيهم، ومرتي بتحب تروح، وبعدين السوق فيه مزاحمة، فش مكان مافيه زحمة، هي بتروح مستورة، عشان لقمة العيش، وبعدين كلهم جيرانا وأولادنا اللي بيروحوا معها، أنا بقف على الخط وبستنى طوابير عشان أحمل ركاب،ومرتي بتوقف زي زيها، لسه هي بتروح عالإيشي اللي بيخصها أكثر مني".
في الحالة الفلسطينية يبدو التناقض واضحًا بين خطابات رجال الدين والثقافة السائدة للمجتمع اتجاه الاختلاط ومنعه في المدارس مثلاً، ولكنه يقبله في اصطفافالنساء أمام مراكز توزيع الكوبونات ومزاحمتها الرجل للحصول على دور متقدم، ونفس المرأة التي تجاهد للحصول على لقمة عيشها، إن اخطأت أو وقعت في شبهة الخطأ، يتحول المجتمع لقاض مسؤول عن شرفها ويتولى محاكمتها بل والحكم عليها.
الشابة عبير قدرة،من شمال قطاعغزة، ناشطة في الإعلام الجديد تهتم بالقضايا النسائية، وقد باتت تلاحظ الطبيعة السلوكية للأماكن بؤر توزيع الكوبونات وطرقة التعامل مع النساء في هذه الأماكن. تقول "العنف، الاستبداد، الاستفزاز، القهر، جميعها أساليب تؤذي، وتخدش كرامة المرأة، لست ضد وقوف المرأة وانتظارها الكوبونة، ولكن ضد الطريقة التي يتم التعامل بها معها، يصرخ فيها مسؤول الكوبونات وقد يشتمها، وقد يدفعها شاب بعمر ابنها، وهي طريقة تعامل مرفوضة، ولكن ماذا نقول؟ هي "شيزوفرينيا" ".
أما سمر أبو قويدر المختصة في علم النفس الاجتماعي، فترى أنها حالة من التناقض الفلسطيني في التعامل مع المرأة " تبدأ الإزدواجية عند الفرد وتنتقل فيما بعد عند الجماعة، فمثلاً في حالة العنف الأسري، نجد الرجل قد يضرب زوجته في البيت، ولكنه يدافع عن امرأة -لا تربطه فيها أي صلة - في الشارع في حال تعرضت لأي موقف، وهذه الازدواجية يعززها المجتمع (فضرب الزوجة والدفاع عن الغريبة، رجولة)
تعتقد سمر أن "حالة الفقر تؤثر على السلوك الاجتماعي، فمن يفقد مقومات الحياة الأساسية، يفقد حسه الواع للقيم السائدة، ويختل مفهومه لدوره في تولي المسؤولية والحصول على المال والعمل، ويتنازل عن هذا الدور ويتقوقع في أي شئ قد ينسيه هذه الهموم".
أما المعالجة النفسية سحر بلبل فتقول:"حينما تقبل المرأة بشئ ما، حسب الحالات التي أقابلها فإنها تكون مجبرة على ذلك، قد تشعر بالإهانة والذل في وجودها بوضع غير لائق ولكنها تصمت، فهي لم ترى ولم تسمع بمظاهرة ترفض مشاهد الإساءة التي تتعرض لها يومياً، وبالمقابل الجميع يحاسبها على أقل تصرف، ويتوقع منها اكثر مما تستطيع"
تحولت ظاهرة توافد النساء على طوابير الكوبونة إلى شكل وسلوك مجتمعي مقبول لدى فئة كبيرة من الناس، يبدون فيه تفهماً لظروفهنن في ظل غياب الحماية والرعاية الاجتماعيةللفقراء، وفي ظل منظومة مجتمعية قيميّة تتعامل مع المرأة كضحية ومستضعفة، ولكنها مطالبة في ذات الوقت برعاية الأسرة وتوفير الحد الأدنى من متطلبات العيش.
حسب الجهاز المركزي للاحصاء "تزيد نسبة الأسر الفقيرة التي ترأسها أنثى في قطاع غزة(29.7%) عن تلك الموجودة في الضفة (22.5%) احصاءات 2011.
























