نوى/ إسراء المدلل
" كعك على الطاولة،
أطباق الفناجين تغادر لون البن المحترق،
وكأس ماء بارد يعتليه الندى !
كلها تحتفي بك في بيت يحبك"
كلماتٌ من نص شعري لشاعرة شابة، في العشرينيات من العمر، أطلقت مجموعتها الشعرية في ديوان "دائماً يرحل أحد"، لاقى إعجاباً وحضوراً في الوسط الفلسطيني والعربي، رغم عزلتها في غزة البعيدة، التي لا يخرج منها أحد، كل معابرها مغلقة.
هند جودة تستمع لها في أمسيات غزة القليلة والباردة، تستحضر دفء الحياة في إيحاءات الكلمات، لتكتشف أن النص له حالات لا تشبه بعضها، كيف تكتب هند على هامش الأمسية سألتها؟ قالت "كتابة النص، حالة تخلق داخل الشعور، وكلمات تجول في العقل، والروح إذا تمكنت من التقاطها وكتابتها تصبح نصّا وإذا تركتها فإنها تتبخر كأنها لم تكن ويبقى نبضٌ ناقص في قلبي أحس أنه ضاع مني ويؤلمني".
الشعر: نبض قلب
إذًا الشعر يأتي في أي وقت، لحظة إغفاءة أو نبض قلب أو ركض مجنون، لذلك، فكيف تلتقطيه "أحتفظ دائما بدفتر ملاحظات في حقيبتي وحاليا برنامج مذكرات في هاتفي الذكي وأيضا هناك الفيس بوك الذي يساعد في كتابة وتوثيق والإمساك بالأفكار وقت توفر شبكة إنترنت".
لا حدود أمام أفق شعري ماهي حسابات هند كشاعرة تكتب للوطن والإنسان والأحداث السياسية والأغاني الوطنية والعشق دائماً، تجيب قائلة " أقوم بقراءة النص عدة مرات وعرضه على بعض المختصين إن شعرت بحيرة بخصوص كلمة ما، وأحيانا أخفيه لعدة أيام قبل أن أقوم بنشره، للتأكد من جماليته، وأيضا أحيانا تتتابع النصوص، لا أفضل أن أرهق قرائي والمتابعين على الصفحة".
تعيش هند في مجتمع غزة المحافظ، وله خصوصية ثقافية في تعامله مع المرأة، حين تعبر عن عواطفها
توضح" هناك تتبّع لكل تحركات وأقوال المرأة، وقد تتعرض للنقد اللاذع والتشهير، إذا تحدثت عن عواطفها مثلا، نحن شعب تحت الاحتلال ونعاني ما نعانيه، هذا الواقع يفرض علينا ككتاب وكشابات أن نكون تلك خلفية ثابتة في تفكيرنا وتنفسنا ومعاشنا وطريقتنا في التعبير، نعيش ضمن مجتمع محافظ وهذا أمر جميل، لكن هذا لا يجب أن يكون سببا لمنع الحريات والأفكار المختلفة أو المعاكِسة، لأن الإنسان خلق حرّا ويجب أن يجد من يحترم حقه في هذه الحرية، وفي العيش بإنسانيته وعاطفته دون أن يتعرض للتجريح والنقد اللاذع".
تفضل هند الاحتفاظ باحتياجاتها الخاصة لنفسها، محاولة البقاء متوازنة ومحافظة في كل نصوصها، لأنها تعتبر كونها فتاة شرقية مراقبة، سيقلتها المجتمع، اذ لم تتماشى معه، وإن هذا جزء من واجبها العام نحوه، حسب قولها.
الموسيقى: مواجهة بالحب
تقدم الشابة ريم عنبر، التي تسكن في غزة عروضاً بآلة العود ووصلات موسيقية وفقرات خاصة في احتفالات و مهرجانات تشارك بها في غزة، أدهشتني بإتقانها العزف وثقافتها الموسيقية العربية الواسعة في مجتمع غزة المحافظ، ليس سهلا على فتاة في مثل عمرها ان تمتلك هواية كهذه، تقول ريم" بداية عزفي واجهت عدة صعوبات من المجتمع كوني فتاة ولكن بمساعدة الأهل ووقوفهم وتشجيعهم إلي كان دافعًا لي للوصول لهذه المرحلة، وارداتي وحبي للموسيقى وبالذات علاقتي بعودي زادت قوتي على مواجهة وتحدي هذا المجتمع "
وصلت ريم لمرحلة متقدمة واستطاعت أن تتحرر من القيود والتعقيدات، ولكنها تقول صراحةً أنها ما تزال تواجه بعض النظرات السيئة من بعض أفراد المجتمع، وتضيف " سأبقى مستمرة في العزف وتوصيل رسالتي للعالم من خلال عزفي وموهبتي ومن خلال المشاركة خارج وداخل الوطن "
بالفن نستطيع مواجهة المجتمع وقدرة الفنان تكمن في الاستمرارية والمشاركة، وقد بدأت ريم بنشر معزوفاتها عبر وسائل الإعلام الجديد، بأسلوبها الخاص وطريقتها التي توازن فيها ما تريده وما قد يُرضى الآخرين، وعن الثقافة المجتمعية الفنية تقول "أصبحت أقوى من نظرة المجتمع لفتاة تعزف عود وبنشر معزوفات وبعزف ع التلفزيون وصار عندي قدرة على العزف أمام جمهور كبير من الناس وأنا لست مقتنعة ببعض الثقافات الموجودة في مجتمعنا، وأحاول التغلب عليها، مجتمعنا يتغير، وأنا أيضا لست ريم كما الخمس سنوات الماضية، فالتعليم زاد وعي الثقافي".
ترى ريم أن نظرة المجتمع قد تغيرت من سنتين تقريباً إلى الآن، و تجد بذلك مستقبلاً أفضل لها ولشباب في حال شعوا على تحقيق أهدافهم.
الكتابة: أنثى متمردة
وعودة إلى مملكة الكتابة، اللغة والأسلوب الكتابي، المفردات، الثقافة الأدبية و الشعرية و المعرفة الجيدة بقواعد اللغة والفنون الأخرى لم تكن أسباب كافية لهبة عبد السلام الحايك طالبة في الجامعة الإسلامية تقول "الكتابة على وجه الخصوص لايمكن أن تكون قراراً، أعني، لقد بدأ الأمر بداية بالقراءة تم انتقلت للكتابة دون شعوري.. كانت الأمر بسيطاً كما كانت الأفكار حينها ولكن تطور الوعي والوضع من حولي جعل الكتابة بالنسبة لي هدفاً إلى جانب أنها هواية. كانت وما زالت الطريقة الأقرب إلى قلبي في التعبير عن نفسي وعرض أفكاري وتجاربي بالطريقة التي أراها مناسبة، ولكن ليس بالشكل الكافي لاعتبر نفسي قد وصلت إلى مرحلة أكتب فيها بدون تخوفات"..
وتضيف "لا يمكن أن تفرض قيود على الروح، وبالتالي لا يمكن أن تفرض قيود على الكتابة.. النشر هي المرحلة التي أسأل نفسي فيها لو كنت أجرؤ على نشر كل ما أكتبه والبوح بكل ما يخطر لي.. ولأن اللحظة التي يصل فيها المرء إلى مرحلة لا يمكن أن يعود منها داخل النشوة الروحية والذهنية في الكتابة.. فأنا لا أستطيع أن أتحكم بما أكتبه ولكن لا زال المجتمع يتحكم به عند لحظة النشر التي أتراجع أحياناً أمامها. ليس بالضرورة أن يكون جبناً، ومن الممكن أن يكون كذلك "
ترى هبة أن المجتمع لم يصل بعد إلى المرحلة التي نتجلى فيها كاملين أمام المجتمع الذي نعيش فيه، عراة تماماً من بقاياه وآثاره وتحفظاته، وأنها لم تصل إلى تلك المرحلة لأسباب كثيرة.
وتردف قائلة" لست بأي حال من الأحوال مقتنعة بقداسة الثقافة السائدة والثقافة المجتمعية ولكن هذا التمرد لم يتجلّى ما يكفي في الكتابة ولا في الحياة الخاصة بعد، ربما عمري يربطني بأشياء كثيرة أخرى ولكن كل ضغط تتولّد بعده لحظة انفجار.. وأنا واثقة بأنني أمشي نحوها".
ضع عينيك في إطار لا يغادر،
وانتظر مواعيد السلام والشاي المحلى بسكر قلبك،
ودوائر كعك تغفو في طبق مسالم "
رسالة سلام تكتبها هند على انغام عزف آلة ريم وأحلام هبه في حياة لا تخلو يومًا من الحب والشعر والعزف والموسيقى في غزة الصاخبة.
























