شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 29 سبتمبر 2026م05:25 بتوقيت القدس

عفاف

18 نوفمبر 2014 - 17:34
لينا جزراوي
شبكة نوى، فلسطينيات:



هل تعرِفون فيفي ، أو عفاف ؟
ليس بالضّرورة أن تعرِفون فيفي التي أكتُب عنها تحديدا ، لكنّكم بالتأكيد مررتم بنموذج يُشبِه فيفي ، تلك الشّخصيّة التي يَعتقِد الجميع أنها سعيدة لأنها تمتلِك الكثير من الأشياء (الخالِدة) ، الاشياء التي يلهث الكثيرون من أجل امتِلاكها ، أشياء مثل مجوهرات ، سيارات مرفّهة ، مُقتنيات فخمة ، حمّالة نهدين من فيكتوريا سيكرت ، معطف فرو وثير من شانيل ، عطور من دولشي آند غابانا ، ماكياجات من كالفِن كلاين ،،،، وهكذا من هذه المقتنيات الخالدة ، التي تبقى حتى بعد أن يموت صاحِبها ، ولا يأخذ مِنها شيئا ، هو يموت أما هي فباقية للأبد .
فاجأتني فيفي برغبتها للحديث معي ذات صباح ، ولم أعرِف أن اسمها الحقيقي هو ( عفاف) ، فاجئتني وهي تقول : " كم سهلٌ على الانسان أن يواجه غيره ، وكم صعبٌ عليه أن يواجه نفسه ، واليوم ، قرّرت أن أواجِه نفسي لكن أمامكِ أنتِ ، فعندي ثِقة بأنك ستفهمين "
كُنّا زميلات عمل لكن لم نكن يوما قريبات لدرجة التعبير الحُرّ عن دواخِلنا ، فنحن النساء نخاف أن نُعبّر عن ذواتنا أمام بعضنا ، وقد نجد الشجاعة الكافية للتعبير أمام رجُلٍ لا نعرِفه ، ولا أعرف السبب ،،
كان يناديها الجميع في المؤسسة ( فيفي) ، ولم أعرف لماذا اختارتني أنا بالذات لأشهد على انعِتاق روحها لماذا قَرّرت أن تكشِف لي أنا بالذّات ، عن أعماقها !!!!!
كانت تجلِس قُبالتي كمن يجلِس على كُرسي الاعتِراف ، مُنكسِرة ، تائِهة ، وأنا لم أكن اعرف عنها شيئا ، إلّا أنها أنثى جميلة وسعيدة هكذا بدت للجميع و كانت هيئتها توحي بيُسر مادي واضِح ، فراتبها بالكاد يكفي بنزيناً لسيارتها .
كانت محطّ حَسد الزميلات في المكتب ، و يتساءلن دائِما عن سبب تَمسّكُها بالعمل ، فالعمل مُرتبِط عندنا نحن النساء الشرقيّات بالحاجة المادية فقط ، وهي ميسورة جدّا ، فلماذا تعمل ؟ وكنت أدخل معهنّ في جدل ( سقيم) حول أهمية العمل في صقل شخصية المرأة وفتح ممرات ودهاليز عقلها ، وأن العمل هو انتِماء ووطنيّة ووووو والى آخره من هذا الكلام الذي لم يكُن يؤدّي لأي مكان ، إلّا لسؤال واحِد ،
لماذا تعمل امرأة ميسورة مثل فيفي ؟
في ذلك اليوم بدا لي أن خلف هذا الجسد الرّشيق والمظهر الانيق ثَمّة حُطام لإمرأة ، امرأة تتصارع مع العالم ومع الواقِع ومع ذاتِها . كانت ترتعِش كعُصفور مُبتلّ بالماء وهي تقول ، أنا أكره اسم فيفي أرجوك نادِني عفاف ،
ثمّ سألتني : كيف يمكن أن يجد الانسان ذاته ؟ أنظر الى وجهي في المرآة فلا أراها ، هذه المرأة في المِرآه ليست أنا ، لقد أضعتُها بين مُقتنيات وأشياء استعبَدتْها ، أريد عفاف لايقاظي من دوّامة الاشياء ، فهي وحدها مَلجئي ومَلاذي ، وزوجي يرفُض أن يُناديني باسمي لأنه دقّة قديمة اسمي يُذكّره بجدّته التي كانت تحفُر الكوسا ، وتخّلل الزيتون ، وتطحن الكُبة ، وهو لا يُحب هذا النموذج من النساء ، يريد زوجته دائما على طِراز فيفي ، أنيقة ، نحيفة ، متألّقة ، بأبهى حُلّة دائِما ، حُلّة تتلاءم مع مكانتُه الاجتِماعية.
أتمنى يوما أن أرتدي ذاتي دون إضافات ، دون أصباغ ومجوهرات ، وهذا ممنوع على زوجة رجل مَرموق ، تعرفين أنه كلّما أصابني الحنين الى الماضي ، الى زمن عفاف السكرتيره البسيطة ، يُحْضِر صندوق مُجوهراتي ويدعني أتأمل مُحتوياته لأعود الى رشدي وهو لا يعرِف أن هذا الصندوق أصبح قبري ، قبري الذي يطمُرني في تَرفه المثير ، يريدني أن أدفِن عفاف في أشيائي و أشياءه وألاّ أتذكّر إلا فيفي زوجة رجل الأعمال ( وجيه بِيك) ، فكلّما تمرّدت على فيفي ، يغمُرني بالأشياء ،،، عقد مُرصّع بالماس ، سيارة جديدة ، هاتف خلوي أحدث انتاج ، ثياب مرفّهة ، سفر ، حتى أصبحت هذه الأشياء تخنِقني ولم أعُد قادِرة على تحمّل هذا الزّيف ، تعِبت من الأقنِعة .
وقفت فيفي على شباك المكتب تتأمّل المدى وهي تقول : كم أشتاق لكوب الشاي في منزِل جدّتي في البلده العَتيقة ، والراديو الصغير يصدح بصوت فيروز، أشتاق لتلك الجلسات البسيطة الغنيّة بالفرح والضّحكات ، ثمّ التفتت اليّ وهي تقول: لقد قبِلَت فيفي بأن يَمتلكها رجل ويُضيفها الى قائِمة أشياءه ، أما عفاف فلا ، لن تقبل ، عفاف يجب أن تعود حُرّة كما كانت دائِما، انتفَضت من مكانِها ، وخرجت من المكتب ، وقيل أنها قدّمت استقالتها من المؤسسة ، وسافرت ، ولم أعُد أسمع عنها شيئا .
:
و بقيت أيام أفكّر كم موجِع أن يفقِد الانسان ذاته ، فهل هناك اصعب من الشعور بالاغتراب والعزلة وأنت وسط هذا العالم ؟ تُجبِرك الحياة أحيانا بأن ترتدي أقتنعة مُختلفة تتلاءم مع الدور الذي تلعبه ، لكن الكارِثة عندما تُضيّع وجهك الحقيقي ، ربما لا تكون (فيفي) أوعفاف هي الوحيدة التي أضاعت ذاتها ، لكن من يجرؤ على الاعتِراف !!!!
نتوهّم أننا سنقبِض على السّعادة عندما نَمتلِك الاشياء ، مع أن السّعادة الحقيقية هي أن تمتلِك نفسك أولا ، ولا يهمّ وقتها لو خسِرت العالم كلّه.

كاريكاتـــــير