غزة -نوى- وفاء أبو خصيوان
لم تعد حياة ام محمد بركة، 36 عامًا بعد العدوان الأخير كما قبله، فباستشهاد زوجها تجد نفسها وحيدة في مواجهة رياح شتى: مصروف الصغار، تدريسهم، قوت يومهم، حاجات تتزايد، وفوقه كلام الجيران".
تقول ام محمد" لم اعتد على الخروج من المنزل إلا للمناسبات الاجتماعية، أما اليوم تغيرت وجهتي: البحث عن قوت أطفالي، والتنقل بين المؤسسات الخيرية، علّها تتكفل النفقة عليهم، فأعود أدراجي محملة بالحزن والوعد دون فائدة".
تحاول ام محمد ان تخفي دموعها وتحتضن ابنها احمد، وتقول" كل فلوس الدنيا ما بتسوى دخلة أبو محمد على الدار، تركني أتحمل المسئولية لحالي في مجتمع لا يرحم " .
تسكن أم محمد في مدينة دير البلح مع أولادها الخمسة، في بيت صغير ينقصه الكثير من المقومات الحياتية ، فهي تفترش من السجاد القديم المرقع بيتها لتواري ما تركه زوجها قبل استشهاده، وكان يعدها بترميم البيت وتوفير كل ما يحتاجونه للعيش بحياة أفضل، لكن القدر كان أسرع، استشهد أبو محمد بعد إصابته بشظايا صاروخ أطلقته طائرة استطلاع بشكل عشوائي على بيتها، وأصيب ابنها احمد بكسر في الجمجمة.
تؤكد أم محمد ان المسؤولية كبيرة عليها، فلم تتوقع يومًا ان تتحملها وحدها، ولكنه القدر! لم تمتلك مؤهلات لمواجهة الحياة، تقول" تزوجت في عمر 15 عامًا من ابن عمي، كنت اهتم برعاية البيت، وأطفالي، ولكنه تركنا في مرحلة حرجة من حياتنا، أصبحت مسئولة عن توفير كل ما يحتاجه أولادي، والاهتمام بتعليمهم، ومراقبتهم في تصرفاتهم، ومساندتهم حتى لا يشعرون بغياب والدهم".
ولا تخفي أم محمد انها تمر بحالة نفسية صعبة، ليس لفقدان زوجها فحسب، بل بسبب حالة ابنها احمد، 7 أعوام، النفسية الصعبة، نتيجة تأثره بإصابته في رأسه بكسر بالجمجمة، أثرت على اقباله على الدراسة وتحصيله الدراسي، وتقول" اشعر بالقلق والخوف على مستقبل أحمد، فلم يعد لديه الرغبة في تناول الطعام، او الاقبال على دراسته، كثير السرحان، وفي المدرسة لا يشارك في الفصل، رغم أنه من أوائل الصف في العام الماضي". وتضيف" يفضل أن يبقى وحيدا ولا يحب مشاركة الأطفال"
تحاول أم محمد تشجيع ابنها محمد على اللعب ومشاركة اقرانه والاندماج معهم، لكنه لا يزال يعيش آثار الصدمة، فضلا عن اصابته، فقد رأى والده في لحظاته الأخيرة، وهو مصاب ينزف حتى استشهد.
جبهة أخرى تواجهها ام محمد وهي ألسنة الجيران، فلم يشفع لها كونها زوجة شهيد وتتحمل مسؤولية أطفالها الخمسة، وتخرج من منزلها للبحث عن معونات تساعدها في اعالتهم، إلا انهم بدأوا يرمقونها بكلمات جارحة وقاسية أكثر وجعا من آلام الفقد، كأن يقولون: أصبحت حرة، ولا يوجد احد في طريقها ليمنعها من أن تعمل أي شيء"، كان له اثر على نفسيتها وزاد من حزنها، إلا أنها مصرة على تأمين قوت أبنائها، الذين ليس لهم معيل بعد استشهاد والدهم، وإلا سيموتون من الجوع بحسب قولها. وتتساءل" هل عليّ ان أخرج أبنائي من المدرسة ليصرفوا على البيت فأُضيع مستقبلهم، رغبة في اخراس هؤلاء الناس؟؟ مؤكدة على مواصلة مسيرتها في تربية وتعليم أبنائها وعدم التقصير في واجباتهم حتى تعليمهم الجامعي .
























