شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 29 سبتمبر 2026م10:19 بتوقيت القدس

غزة في عيون شبابها المغتربين

13 نوفمبر 2014 - 16:22
صورة ارشيفية
صورة ارشيفية
شبكة نوى، فلسطينيات:

نوى-إسراء المدلل:

على حافةِ الطريق وسط شارع يطل على شاطىء غزة، تجلس فتاة عشرينية، ترتدي حجابا غير مألوف، وبنطال جينز وحذاء في كل قدم لون يختلف عن الآخر، وحول معصم يدها أسلاك وحلقات، لفت جلوسها وسط الشارع وطريقة لبسها انتباه المارة، بل لاحقها الأولاد الصغار برمي بعض الكلمات التي لم تفهم سحر معناها ولا إن كانت تحمل شتيمة أم لا!، يأتيها شرطي يطلب منها الوقوف ومغادرة المكان .

أمام البحر التقيت ب"سحر تيسير"، 22 سنة طالبة الدراسات الشرق أوسطية، مهتمة بالتصوير، الكتابة والتاريخ القديم، تعيش في مدينة أوسلو. كانت في زيارة لعائلة والدها في غزة، وتمتلك الشجاعة الكافية لطرح أفكارها ومناقشة ما يدور في رأسها من أسئلة، وتشارك كل ما يدهشها على صفحاتها الإلكترونية.

كنت أخطط لعمل تقرير حول المغتربات الفلسطينيات من قطاع غزة في بلاد الثلج وكيف يكتبن عن "غزة"، ولكنني تفاجأت بسحر تقول " أعتبر أن النرويج وطن لي، بل أنني أعشق هواء أوسلو، هنا أنـَت أنت، لا أحد ينظر إليك بسبب أو بلا سبب، لا يتدخل بك أحدٌ، الحياة ليست سهلة هنا و يوجد صعوبات بل و جرائم مجتمعية وأخلاقية، ولكن من السهل جداً أن تنال حقك، وتطالب به، أنتَ هنا إنسان "

في أوسلو، تعيش سحر بين فنانين و مغنيات، وأصحاب رؤى فلسفية، ومناصب رفيعة من سوريا ولبنان والكويت، تتقن العربية، وتكتب بذوق أدبي رفيع، وتجتهد في تخصيص وقت أطول من يومها في المكتبة، حيث تخصص مكتبتها ذات الطراز القديم طابقاً للروايات والكتب والكتاب العرب، تفاسير القرآن والأديان والخرائط.

تقول سحر" لم يكن لدى عائلتي مشكلة بأن أستقر وحدي في شقة قريبة من جامعتي، وتتذمر من بعض الأفكار الشرقية التي تجدها عند معظم من يخرج من غزة، وبالمقابل أتفاجأ حينما ينقلب هؤلاء 180 درجة، ويصبحون أوروبيون في كل شئ."

 

" أكره غزة"

سألتها عن دورها الوطني، قالت "لا شئ، أنا فقط إنسانة، أريد الحياة، حرب غزة آلمتني وأوقفت حياتي هنا، ولكني بعد الحرب أسمع أمورا كثيرة تحدث داخل غزة، أشعر أحيانا بأنني لا أشفق عليهم، الناس جبانة لا تتحدث لا تصرخ ولا تطالب بحقوقها، الاحتلال موجود نعم، ولكن عقولهم معهم، لا توجد حرية في غزة، ولا توجد كرامة" وتنفعل وكأنها تتحدث لشخص في غزة، "تَحدث مع رجل الأمن، نَاقش الشرطي، تَظاهر، قَف على التلال وغَني، اذهب إلى البحر في منتصف الليل واكتب، ارسم من أي مكان شئت، وافرح بالطريقة التي تشاء، ألا تحب ممارسة كل ذلك، الحياة ليست مأكل ومشرب، هناك قضايا مهمة تتعلق بالدين والفلسفة والسياسة والفن، والعلوم .. الخ، الحياة مدرسة، وغزة سجن كبير"

لم يأت رأي سحر من فراغ، وهي التي انفصلت عن خطيبها الغَزي، حين شعرت في زيارتها الأخيرة أن كل شيء مهين، وان المرأة في موضع مساءلة لا نهاية له، فهي تُسأل عن طريقة اللباس، وطريقة التفكير، وتقابل ملاحظاتا باستغراب وبنقد شديد، وعن نفسها حاولت أن تخاطب المجتمع بود وتفاهم ولكنها فشلت، وقررت أن لا تعود إلى غزةَ ثانيةً وكتبت على صفحاتها، " أنا أكره غزة ".

"الحظ بطولة"

نادية اليعقوبي 29 سنة، طالبة تدرس الماجستير في مدينة نيويورك و مريم تدرس بكالوريوس في برلين، خرجن من مخيمات غزة، وحملن حكاية شعب لاجئ محاصر، يحقق طموحاته بمجرد أن يحصل على هذه المساحة المتاحة من الفرصة- فرصة السفر والانطلاق !

انتظار نادية الطويل تحول نصراً لمجرد خروجها من غزة،  انتظرت أبواب معبر رفح البري، البوابة الوحيدة لمرور سكان القطاع، والتي من خلالها تستطيع السفر إلى الحرية عبر مطار القاهرة الدولي، بعد أن دمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي مطار غزة الدولي، عام 2006 ، لم يكن انتظارها الطويل المعاناة الوحيدة،  بل كونها فتاة تطلب منها  وقتا لا بأس به لإقناع عائلتها بضرورة سفرها للدراسة في الخارج.

 نجاح نادية في السفر أمر بطولي بحد ذاته، يسجل للحظ ولها!

أما دراسة الماجستير من وجهة نظر نادية فليست لنيل شهادة دراسات عليا فقط، بل لإكتساب الخبرة، ففي مدينة الموضة والفن، مدينة الجنسيات والهويات المتعددة، كل يوم يمر كأنه أعوام خبرة في غزة.

"ثقافة العيب و الحرام"

تعلمنا في المرحلة الإبتدائية أن النظافة من الإيمان، وأن الإبتسام في وجه أخيك صدقة، ولكن لم يتفوق الدين على الثقافة المجتمعية في التطبيق، كل ما تتعلمه من المجتمع يكسوه غطاء "العيب والحرام"، تقول نادية "تعلمت مبادئ الدين الإسلامي الجميل من الغرب، وعادات الأجانب، في الصدق والإخلاص في العمل وإحترام المرأة، وتخصيص الاماكن في الباص للأمهات وعربات أطفالهن، وللمعاقين، ولكبار السن".

وفي رد على سؤال ترددت في طرحه على نادية، سؤال الأنوثة الذي تهرب منه النساء عادةً، تقول" أخلص للعلم، وحضور الثقافة، فأهتم بحضارات الشعوب، ألجأ دوماً إلى صديقاتي الأجنبيات، وأشاركهن شؤوني كامرأة شرقية تعيش في مجتمع غزة الذكوري، وقد خفف عني ان الذكورية صفة سائدة لدى الشرق والغرب بالذات على المستوى السياسي واتخاذ القرار، ولكن الفرق بيننا وبينهم أنني أُعامل كإنسان، فلا يوجد فرق بين إمراة ورجل، المراة تستطيع الالتحاق بأي مهنةٍ كانت، والقانون في الغرب منصف للنساء في كل الأحوال والظروف" .

وتختم نادية "أبي رجل محافظ، ولكنه يلبس على مقاس الناس، ويفكر بذات المقاس الذي وضعوه هم، فمثلاُ يعتبر تأخري في الوصول للبيت، إهانة له أمام المجتمع، مهما كانت الظروف أو الأسباب، ولكنه يثق بي فكان سفري ودراستي في الخارج، أسهل عليه من بقائي في غزة، ليتحمل سياط المجتمع في كل مرة اتأخر فيها عن البيت، او آتي بحركة قد يعتبرها المجتمع غير مقبولة".

" أنا أنسان أفكر وأحلم"

أما مريم البنا 19 سنة، فقصة أخرى، تحمل حكايا الوطن في قلبها، وتسترجعها كلما لوعها ألم الفراق والغربة " أنا أعشق غزة، أحب الزعتر والزيتون والدقة الغزاوية، ارتدي الكوفية الفلسطينة والثوب المطرز، استمع إلى سناء موسى، واعلق صور محمود درويش وناجي العلي في بيتي، وأحفظ شعر سميح قاسم، مريد البرغوثي، وآخرين أحاول دائماً البحث عنهم، وأصنع منهم وبهم وطناً لي في الغربة"

تكمل مريم، حيث رغبت بمعرفة المزيد عنها " أنا أكثر إلتزاماً هنا، أصلي كل الفروض، وأحافظ على صلاة الجماعة يوم الجمعة  مع الجالية الفلسطينة في برلين، وارتدي الحجاب، والتزم بالأكل الحلال، ولا أصادق إلا أصحاب السلوك الحسن، وملتزمة بقراءة القرآن "

جميل يا مريم .. هكذا نفعل، لمَ تحدثيني عن أمور طبيعية تمارسها غزة كلها؟!

ترد على ذلك بـ : " لأنني لم أكن أفعل كل ذلك، الدين يوضع في لباس، ويُلبس، حين تسأل و تريد أن تقتنع بما تفعله، يُرد عليك بذات الإجابة، بل كأنه يُقال لك لا تحاول السؤال، فقد تُخون، وهذا الأمر أوجد لدي كره ورفض للدين، وجدت الدين في بعض الأوقات ومع غالبية الناس "عادة "، تفتقر إلى الروحانيات التي تصنعها أنتَ وتحدثها أنتَ مع ربك "

"شعور صوفي تجلى مع الطبيعة والتأمل و الراحة الإنسانية بمجملها، الإنجاز أيضاً يعتبر برأي الشخصي أحد أهم أسباب القوة والراحة والاعتماد على الذات هذا الشعور يقودك للبحث عن الأمان الروحاني والذي تفقدك إياها غزة"

"غزة التي تعاني من حصار وعزلة دولية، انقطاع للكهرباء، تلوث للمياه، بطالة وأزمة مالية وإقتصادية، وأخلاقية ، لا وقت فيها للروحانيات، ويصبح الدين ثقافة مجتمعية جمعية"

و عن سبب لجوئها لدراسة البكالوريوس خارج غزة، وهي في سن صغيرة، وقد تقع ضحية مجتمع كبير ومنفتح، ويتحدث بلغة تعرف عنها القليل، تقول" قبل سن العشرين، اكتشفت بأنني أصبحت عروس في عين المجتمع، وبت أسمع "عقبال فرحتنا بك يا خالتي" من كل امرأة وفي كل مناسبة، شعرت أنني سلعة قد تجدها  "أم العريس" مناسبةً لإبنها بعد أن تُعينك جيداً وبعد التحري والتفتيش ثم يأتي العريس للمعاينة ويقرر بعدها إن كنتِ تصلحين لإنجاب الأطفال والمعاشرة" .

وتضيف" فكرة زواج الفتاة الصغيرة قاتلة للوجود والأحلام والطموح، فأنا أبحث عن شريك لا عن "ذكر" يقرر عني ويلغي وجودي وكياني لاتحول "تابعًا له ولعائلته"، أنا موجودة إذاً أنا أفكر، أنا إنسان إذاً أنا أحلم، وحلمي أن أفيد مجتمعي، وأحقق طموحي بالعمل وبتكوين أسرة مع شريك أستطيع اختياره بوعي ونضج، لذا خرجت من غزة في أول فرصة لأتعلم، ولا زلت اتعلم"  

 

"غزة اجمل مكان في الكون"

مريم، نادية وسحر كمغتربات سجّلن رأيهن في غزة، فماذا يقول أحمد وطارق المغتربين أيضًا؟

 أحمد أبو شاويش 30 سنة يعمل في شركة لتكنولوجيا المعلومات في هولندا، يسكن أهله في مدينة خانيونس وسط قطاع غزة- تعرفونها؟ هي المدينة التي ترعرع فيها محبوب العرب المشهور محمد عساف.

سألت أحمد: هل تشعر بأن هناك فجوة بينك وبين تفكير الشباب في غزة ؟ يجيب" إن  كنت أعيش في غزة سأكون مثلهم، حتى بعد كل تلك السنوات التي قضيتها في هولندا، لسبب بسيط، أن البيئة تفرض عليك ذلك، ليست شطارة أن تتمرد وترفض بل أنا احترم فكر مجتمعي وعاداته".

أحمد يفضل الزواج من فلسطينيات، معللًا " بسبب الثقافة، فهي لن تتصرف كما تفعل الفتيات هنا، بل سيكون كل همها زوجها وأولادها، ماهرة في الطبخ، ولا بأس ان كانت طموحة طالما تستطيع التوفيق بين البيت والعمل".

ويدافع عن الشباب الغزي بالقول:" لا شك بأن هناك بعض التصرفات غير الراقية للشباب وهذا الشيء موجود في كل مكان ومجتمع، ولكن مجرد أن يخرجوا من غزة، يصبحون أكثر لطفاً وتفهماً لطبيعة الحياة في الخارج، فهم يرفعون الرأس وهم الأكثر كفاءةً و الأقدر على تحمل ظروف الحياة هنا، والتأقلم مع الواقع، أشفق على الشباب في غزة، فهم لم يروا شيئاً من الدنيا كما الشباب في الخليج العربي أو أوروبا أو أمريكا".

يشارك أحمد في الدبكات الشعبية الفلسطينية، والحفلات الغنائية للمقدسية ريم بنا، ويلتزم بالأنشطة الخاصة بالجالية الفلسطينية كالمسرحيات وورش العمل، الوقفات ضد الاحتلال الإسرائيلي، ومعارض الرسم التشكيلي، وبيع المأكولات الفلسطينة التي يذهب ريعها إلى جمعيات خيرية في غزة، ويضيف أن هذه الأنشطة كان سيقوم بها لو بقي في غزة، لأن الإنسان عليه أن يبقى كما هو أينما يكون، و يختم" أجمل مكان في العالم هو غزة" .

"لا يربطني بها سوى أهلي"

أما غزة بالنسبة لطارق مقداد المقيم في اليابان ويبلغ 35 عاماً، فليست أكثر من أهله المقيمين فيها فقط، ولهذا يتصفح يومياً كل أخبار قطاع غزة، برغم ما  بداخله من رغبة للتخلص من ارتباطه بذلك المكان ، مُوضحًا أن مواقف في العمل و مع الجيران و بعض الأصدقاء كانت كفيلة لأن تنسيه حبه لغزة، فإحساسه بكرامته في اليابان كمواطن، تعوضه عن الوطن بأكمله، حسب قوله- ويختم " غزة تلاحقني في كل مكان، هي تحفظنا جيداً وتتعرف على مواليدها، نحن من نحزن عليها، ونحن من نفرح لأجلها، ولكنها بقيت مكان موصوم بالحروب و المجازر، والناس قاسية ولا ترحم، بعد الحرب شوية ويوكلو بعض و الساسة لن يتنازلوا عن شئ ".

قد يبدو سخيفاً أن نسأل الآخرين عن غزة التي نعيش نحن فيها، لكني بالمقابل لا أدعي معرفتي بكيف تبدو الحياة في الخارج- خارج غزة-، الكل يريد أن يجرب ما معنى أن تكون مغترباً وصاحب هوية بذات الوقت!.

السؤال الأكبر "هل سيعود هؤلاء إلى غزة يوماً؟ وان عادوا هل يستطيعون الإستقرار فيها طويلاً ؟!"

كاريكاتـــــير