الملفات في غزة تتعقد كل يوم أكثر من سابقه، وتكبر الأسئلة: من يحكم القطاع؟ من المسؤول عن تعطيل الإعمار؟ ومن المسؤول عن تحقيق العدالة لأولئك الذين صعدوا إلى السماء؟ ومن المسؤول عن كرامة الأحياء يدفعون ثمن نجاتهم من العدوان اللعين؟ ومن الذي يعطل المصالحة الحقيقة وملفاتها؟
الحقيقة أنني تفاجأت من ردة فعل الناس في غزة على زيارة الحمدلله "الرمزية" للقطاع، فسائق التاكسي الفرح بهذه الزيارة يقول لي "لو جاء الشيطان حاملاً معه خلاصالغزة سأفرح به.. انهلكنا".
للأسف رئيس الوزراء "الملاك" الذي حضر لغزة، جاء لأكل السمك، والتقاط الصور على الانقاض، وبحجة التفجيرات اعتذر عن العودة إليها، ليت الشيطان هو من جاء ليوقف نزيف غزة وموتها البطيء لأشارك السائق فرحته ومن يعلم فقد يصدق الشيطان بوعوده!
من يحكم غزة؟
قوات حماس- الحكومة السابقة- تنتشر في كل زوايا القطاع، تنظم المرور، تجبي المخالفات من السائقين، تزيل البسطات المتعدية على الشوارع، تمنع نشاطاً لمنظمة أهلية، تتابع اصدار الأوراق والتراخيص، وتجبي الرسوم والضرائب، وتفرضها ولا تقدم فيها تقريراً مالياً لوزير المالية. وفي ذات الوقت، تقدم الخدمات التعليمية والصحية والشؤون الاجتماعية، والخدمات البلدية عبر موظفيها، كما تتحكم بشبكة إعلام واسعة تروج لخطاب حركة حماس وحكومتها "التي لم تتخل عن الحكم، ولا عن الحكومة".
بالمقابل، تعلن حماس عدم قدرتها على تأمين مهرجان شعبي، وعدم قدرتها على الوصول لمجموعات ارهابية تقوم بتفجيرات داخل القطاع الصغير وفي ليلة خميس يسهر فيها سكان القطاع والأجهزة الأمنية فيه للصباح!
إذن غزة فيها حكومة موازية بديلة (سماها البعض عميقة) وليس حكومة ظل- كما ردد الرئيس مخطئا-، حكومة الظل حكومة ايجابية تقوم على رقابة وتصويب الحكومة الرسمية.
وماذا عن الحكومة الرسمية- حكومة الوفاق؟ يمثلها 4 وزراء بحقائب غير سيادية (مرأة واسكان، وعدل وعمل)، ويمثلها بشكل –خارج عن العرف القانوني وقواعد الحكم الرشيد- محافظين عينتهم الرئاسة، أو اللجنة المركزية للحركة عبر قرارات تتخذها تعلو على قرارات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وفي غياب الحكومة الرسمية التام عن المشهد الغزي، يصبح الرئيس- رئيس حركة فتح- الحاكم الثاني وغير المرئي في القطاع.
الحاكم غير المرئي، يمتلك حكومة التوافق، لانه شكُلها، ويبدو انه مرجعيتها الأولى، ويمتلك الشرعية الدولية والدعم العربي، عبر قيادته للأجهزة الامنية في الضفة، وصندوق المالية، وعنوان الديبلوماسية والتمثيل الخارجي.
الحاكم غير المرئي، له سطوته عبر الرواتب التي يدفعها لأكثر من خمسين ألف موظف يعيلون مئات الآلاف أقعدهم في بيوتهم، وتحولوا في لحظة الحقيقة إلى عبئ على خزينته، وعلى مشاريعه السياسية، وله سطوته عبر التصاريح التي يصدرها الاحتلال لمن يخرج من القطاع، وله سطوته عبر فاتورة العلاج في الخارج، وفاتورة الكهرباء وفاتورة الوقود.
من يعطل الإعمار؟
مؤتمر اعادة اعمار "غزة" الذي انعقد في القاهرة، قدمت فيه خطط تم تحضيرها في رام الله، دون تشاور مع الناس المتضررة، ولا منظمات المجمتمع المدني ولا الحكومية الموازية في القطاع، ولا الفصائل الفلسطينية، ولا نقابات ولا نساء ولا شباب، وجامعات، غاب الجميع وحضر رأس المال فقط!
أما آلية الاعمار، فقد احتج عليها مبكراً المجتمع المدني، بل أقام وقفة لم يحضرها أي فصيل، وفهمنا من البداية أنها آلية توافق عليها روبرت سري مع قيادة حركة حماس، (كشف محمود الزهار أن قيادات من حركة حماس التقت منسق الأمم المتحدة الخاص بعملية السلام في الشرق الأوسط «روبرت سيري» في «القاهرة» قبل لقاء وفد حركة فتح، وأبدت حركة حماس خلال اللقاء مع «روبرت سيري» ترحيبها بأي آلية يتم من خلالها إدخال مواد البناء إلى غزة بشرط ألا تمس بكرامة الشعب الفلسطيني- وكالة معاً 29/9/2014) ، ولم تعترض عليها السلطة في حينه بل رحبت بها في أكثر من مناسبة وعلى لسان قياداتها، فما الذي حدث اليوم؟ لكي تسجل حماس على لسان موسى أبو مرزوق اعتراضها عليها، ولكي يقول حسين الشيخ أنها (خطة معيبة ومذلة ولا تستقيم مع تضحيات أهل القطاع بعد الحرب الأخيرة- أمد 7-11-2014).
وبسبب الذاكرة المثقوبة لدينا، مهم ان نفهم كيف قبلت حماس آلية سري، والتي جاءت كسلة واحدة مع اقتراح ادخال رواتب موظفي حماس عبر الأمم المتحدة. أُفرِغت السلة من الرواتب وبقيت الآلية التي تكافئ الاحتلال على عدوانه -ليس فقط عبر تحكمه فيم يدخل وكيف ولمن؟- ولكنا نكافئه بشراء مواد الاعمار منه لتعويض اقتصاده المتعب بفعل الحرب وفعل المقاطعة.
لا أستطيع لوم حماس لقبولها بآلية سري، ولكني أشدد اللوم على الحكومة التي حملت الموازنات وشريط فيديو تستجدي به المانحين، متناسية محاسبة اسرائيل ومسائلتها على جرائمها. حضرت وعود المال، وغابت العدالة، ولمًا يصل المال بعد، والأنكى أنه مخصص على اسم القطاع، ولكن تصريحات الحكومة تقول أن نصفه للاعمار والنصف الآخر سيذهب لدعم موازنة السلطة، وجميعنا سمعنا اشتراطات وصول هذا النصف إلى المتضررين، من تهديد أمين عام الرئاسة، وتهديد رئيس الوزراء وربط الاعمار بتمكين حكومة الرئيس.
ما يعني المواطن في كل هذه التفاصيل هو ما يصله ليعمر بيته قبل أن يدهمه البرد (المطر مقدور عليه)، وما وصل المواطن هو طن اسمنت يباع في السوق السوداء ب4000 شيكل، في حين كان يباع ب600 شيكل قبل العدوان،، ومجموعة كرافانات يتم الاحتفال بوضع حجر الأساس لها، ليتحول القطاع لمدينة صفيح لا يقي برد الشتاء ولا حر الصيف، وكهرباء مقطوعة، ومياه ملوثة، ومعابر مغلقة، وأفق سياسي يضيق كل لحظة.
من المسؤول عن إفشال المصالحة؟
كل من وقع اسمه على اتفاق الشاطئ- نيسان 2014، يتحمل المسؤولية شخصياً وبالنيابة عن فصيله، لانه كان يعرف أنه شاهد زور حتى وان صدقت النوايا. فجهنم غزة مفروشة بالنوايا الحسنة والألغام، لغم موظفين حكومة رام الله، ولغم موظفي حكومة حماس، ولغم أجهزة أمن حماس، ولغم سلاح المقاومة، ولغم المعابر، ولغم الكهرباء، ولغم الصحة، واللغم الأكبر غياب الارادة السياسية لدى الفصيليين وارتباط كل منهما بمجموعة مصالح وروؤوس أموال داخل الوطن وخارجه. كلها تفاصيل كافية لتفجير أي اتفاق، وكان يجب أن يتم حلها لا تأجيلها لتحل نفسها.
ولنأخذ الموظفين ورواتبهم نموذجاً، فحسب اتفاق الشاطئ واتفاقات المصالحة السابقة (يتم تشكيل لجنة ادارية قانونية للنظر في موظفين حكومة حماس المدنيين في مدة لا تتجاوز الأربعة أشهر من تشكيلها، وها قد مرت ستة أشهر تقريباً على تشكيل حكومة الوفاق دون تشكيل اللجنة المذكورة، فكيف سيتم حل الأزمة التي تشغل القطاع بأكمله في ظل الازمة الاقتصادية وانعدام الوظائف، وازدياد الفقر بنسبة غير مسبوقة؟
قد تكون اتفاقات المصالحة قد عالجت بنصوص فضفاضة موضوع الرواتب، ولكن التصريحات السياسية المتناقضة وعدم مصارحة الناس بما تم في القاعات المغلقة في اتفاقات حماس وفتح- الثنائية- يؤجل الحل ويسرع في خلق صراعات أهلية يكون الشباب وقودها.
من سيفك حصار القطاع؟
اتفقت حماس وفتح في القاهرة في سبتمبر أن فك الحصار عن القطاع يحتل أولوية عمل الحكومة والقيادة، ومنذ ذلك الاتفاق، ازداد حصار القطاع، فمن جهة يتم الترويج لتسهيلات تقدمها دولة الاحتلال وتحديداً في حركة المواطنين، ولكن من يروجون لهذا الامر، لا يقولون أن الاحتلال يزيد عزلة القطاع بقطعه عن امتداده الطبيعي، صحيح زاد عدد تصاريح اهل القطاع للضفة بما فيها القدس، ولكن التصاريح شبه معدومة لمن يريد الوصول للقطاع!
أما معبر رفح الذي اغلق منذ ثلاثة أسابيع بترحيب وتصفيق رسمي فلسطيني دون تفكير بتبعات القرار على المسجونين داخل القطاع، فيبدو أن اغلاقه يغلق ويسد افق المفاوضات غير المباشرة مع الاحتلال، ويبعد القطاع أكثر وأكثر عن القاهرة التي استضافت مؤتمر اعادة الاعمار واتفاقات المصالحة الأخيرة.
لو كنت مكان حركة حماس، سأسلم معبر رفح "بالأمس" لحرس الرئيس عبر الانسحاب منه كلياً، فهو مغلق في وجه حماس ووجه الفلسطينيين جميعاً وليكن الخطوة العملية الأولى لانهاء الانقسام، وليكن الخطوة الاولى لتسترجع شعبيتها التي اكتسبتها بقوة أثناء العدوان وأخذت تفقدها بذات القوة بعده.
لو كنت مكان الرئيس عباس وحكومته، فلن أتعامل مع قطاع غزة، كمقاطعة حمساوية خارجة عن الطاعة، ومطلوب من اهلها أن يدفعوا ثمن المناكفات بين الحاكم المرئي والحاكم غير المرئي، وعليهم ان يثبتوا ولاءهم للحاكم غير المرئي بالخروج على الحاكم المرئي.
لو كنت مكان أبو مازن، لن أقبل أن ترفع حركة حماس يديها مستسلمة ومعلنة هزيمتها، بل سأفعًل منظمة التحرير واطرها- شبه الميتة- واتوجه لمحكمة الجنايات الدولية لمعاقبة دولة الاحتلال على جرائمها، فمربع العودة لمقاومة الاحتلال (مقاومة مسلحة أو ديبلوماسية حقوقية وقانونية) توحدنا.مطلوب تشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل كل الطيف السياسي ويكون الاطار القيادي المؤقت (اللجنة التنفيذية موسعة) مرجعيتها، ولتكن اولى مهاماتها رفع الحصار واعادة البناء وتشكيل اللجنة الادارية القانونية للعمل الجدي في حل أزمة الموظفين (القدامى والحاليين، المدنيين منهم والعسكريين).
مطلوب خطاب صريح وصادق- حتى وإن كان مؤذي ولا يطرب- كي لا يدفع القطاع ثمن العدوان الصهيوني المستمر في كل أنحاء الوطن المحتل، وثمن الانقسام وثمن الارهاب.
غزة يتيمة، ولكنها تكشف عوراتهم جميعاً.
*رئيس تحرير شبكة نوى
























