شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 29 سبتمبر 2026م21:37 بتوقيت القدس

الأعمال التطوعية وصناعة قادة الغد

04 نوفمبر 2014 - 19:03
نورهان العقاد
شبكة نوى، فلسطينيات:

بقلم: نورهان العقاد

يعاني الكثير منا من الانعزالية الاجتماعية أو السلوكية، ولا يتمتع بالجرأة الكافية والمطلوبة لكي يُظهر حضوره المطلوب في مجتمع يحتاج تضافر الجهود جميعها، وهذه الانعزالية تكرس مفهوم الخجل السلبي، فمثلاً ومنذ ستةَ عشر عاماً أقوم بعمل تطوعي شخصي وهو القيام صباح كل يوم جمعة، بعملية تنظيف وترتيب كامل للمساحة التي أمام منزلي، ولا أتوقف عند حدود البيت بل يمتد الأمر حتى أمام بيوت الجيران، ولقد تم تعزيز هذا السلوك في أبنائي الذين أصبحوا ينتظرون هذه الساعة ليخرجوا معي وكأن الأمر عبارة عن "فسحة" أو "ترفيه" ويساعدونني في استكمال ما أقوم به من العمل الطوعي والمجتمعي.

 وفي الحقيقة سمعت الكثير من الإطراء والاستحسان، وكذلك كان هناك من ينظر بعيون الريبة أو حتى التهكم أو قرأت كثير من الجيران وهم يقولون " هذه وظيفة موظف البلدية..؟!" . فإن غاب الموظف غابت النظافة وإن حضر حضرت النظافة.

علينا أن ننمي أفكار ومهارات وسلوكيات مفهوم الجماعة والمجموعات الاجتماعية، والإحساس الجماعي، والعمل التطوعي، لدى الجميع الصغير قبل الكبير، ويمكن ان نذكر مثالا يوضح الايجابية والسلبية في الموضوع.

طفل يبلغ من العمر عشرة أعوام، يقضي أغلب أوقات فراغه أمام جهاز الكمبيوتر أو جهاز التلفزيون أو الألعاب الأخرى الالكترونية، ويكتفي بذلك وقلما يغادر البيت، بالتالي سيصبح منعزلاً عن البيئةِ الاجتماعيةِ التي يعيش فيها، و لربما يسأل أحد أن المدرسة تمنح الطفل فرصة الاندماج أو العمل الجماعي، نقول أن ذلك غير كافٍ لتنمية مفهوم الجماعة لديه، وحين يكون الأب نفسه منعزلاً ولا يقوم بأي أعمال اجتماعية أو تطوعية أو يكرس وقته للعمل ووقت الفراغ لممارسة الجلوس أمام التلفاز او الكمبيوتر، وفي نفس الوقت يفكر عن أطفاله في أمورهم ولا يختبر فيهم ملكات التواصل والاندماج والتنمية المجتمعية والانطلاق نحو ذلك، فلا غرابة إن كبرنا قليلا وكبر أبناؤنا ووجدنا أنفسنا في مجتمع إتكالي منعزل ومتلق وغير منتج أو مبدع وضعيف الانتماء لقضاياه ومسؤولياته، فمن يمارس فعل تطوعي منفرداً أو من خلال مجموعات اجتماعية، فإنه سوف ينقل الفكرة إلى الأسرة حتى بمجرد الحديث عنها وعن تجربته واستمتاعه بذلك، وهذا الموقف الذي يكتسبه الأبناء ويمارسونه ولو بصورة تناسب أعمارهم، سوف يستمر معهم في حياتهم العملية لاحقاً، ويتحولون الى أشخاص ايجابيين اجتماعيين منفتحين غير منعزلين .

وبالاتجاه الأخرى أرى أن الفصائل والمؤسسات المدنية يجب أن تمارس دور المجموعات الاجتماعية والأعمال التطوعية؛ وأن تخصص جزء من موظفيها وأوقات العمل من أجل الخروج للمجتمع كجزء من مهامها، وأن كانت مهامها الحقيقة لا ترتبط بهذه الفكرة، ولكن عليها أن تدمج موظفيها في هذا العمل، وإلا يتحول ذلك إلى مجرد " تسريح للموظف" أو "وقت راحة" ، بل هو المشاركة في الجهد الضخم والوقت الذي يحتاجه المجتمع من الجميع ومن شتى مستوياتهم.

 فهذا مجتمعنا وهذا واقعنا وهذه مسيرتنا وهذا ينعكس إيجابا في تطوير أفكارنا حول الانتماء للأرض والمجتمع والتنمية والسلوك الجماعي المنشود، هذا على اعتبار أن الانتماء للوطن ليس بالشعارات وليس بمقاومة المحتل فحسب فالانتماء يتجسَّد في المحافظة والقيام بنظافة بلدك ووطنك وممارسة سلوك ايجابي نحوه، ومثال ذلك، في زيارتك لمريض بالمستشفى، حين تشاهد أن سلة النفايات ممتلئة تحت سرير المريض، فإن المظهر العام سوف يصيبك بالاشمئزاز، ولكن حين تجدها نظيفة والمكان نظيف ومعطر، فإنك ستشعر أن المريض في مكان يؤهله للسلامة والشفاء.

 ولا تشعر بالملل أو تدفع بنفسك لاختصار الزيارة أو حتى عدم العودة، هكذا المجتمع، وهكذا البيت ، وهكذا الشارع والمؤسسة، اجعل نفسك أمينا ومتطوعا ومشاركا وأحب بلدك ونظافته واجعل القادمين له يحبون البلد ويحبونك ويشعرون برغبتهم بالبقاء فيه والعودة له، وفي شارعك ان لم يكن هناك لديك ما يشغلك، ففي وقت فراغك لا تخجل أن تمارس هذا الفعل الذي يدلل على الرقي والمحبة بين الجميع ومحافظتهم على جمالية المكان وصحة الجميع.

وأخيرا، لم يعد مفهوم النظافة اليوم تحت شعار : " أبيض، أكثر بياضاً، الأكثر بياضا ..." بل أصبح المفهوم والشعار الأهم هو "صديق البيئة والمحافظ عليها" ... وبالقياس لنكن جميعا أصدقاء في صنع بيئة أجمل وأنظف وعمل جماعي يقربنا من بعضنا ونحب بعضنا وننظف قلوبنا وعقولنا من رواسب واهية تمنع الانطلاق نحو عالم الغد، ولنحافظ على صناعة أبناؤنا لأنهم صناعة قادة الغد، ولنرتقي نحو مجتمعنا ونحو جيراننا وواقعنا ومستقبلنا ومواجهة كافة التحديات، وابدأ بنفسك .

 

 

كاريكاتـــــير