شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 30 سبتمبر 2026م03:49 بتوقيت القدس

حرب مزدوجة ضد الدولة

29 اكتوبر 2014 - 12:37
مهند عبد الحميد
شبكة نوى، فلسطينيات:

بقلم: مهند عبد الحميد

المجزرة البشعة التي تعرض لها عشرات الجنود والضباط المصريين، هي جزء من حرب الإرهاب والأصوليات في أكثر من بلد عربي وإسلامي. هي ليست حدثا عابرا سرعان ما يتم تجاوزه، بل ظاهرة نمت وتطورت بفعل عوامل داخلية وخارجية. ظاهرة الإرهاب والعنف الأصولي (الداعشية) تلخص مأزق تطور ونمو المجتمعات العربية والإسلامية في هذه المرحلة التاريخية، وهي الوجه الأكثر تخلفا لمرحلة ما قبل الدولة وما قبل السياسة. ما حدث يستدعي النظر لهذه الظاهرة بعيدا عن ثنائية الإرهاب والحرب على الإرهاب، وبمعزل عن معرفة لماذا هذا النوع من الإرهاب ولماذا مثل هذا النوع من الحرب على الإرهاب. كما أن الحرب ضد الدولة والدفاع عن الدولة، ثنائية لا تجيب على سؤال أي مصير في انتظار الشعوب العربية والإسلامية ودولها العتيدة.
ظاهرة "داعش" كما يقول الكاتب مرزوق الحلبي في "الأوان" 27/10 الجاري، هي جزء من عولمة تُفَكّك وتبني، تهدم وتنشئ ما انتجته البشرية خلال ثلاثة قرون من الحداثة وما بعد الحداثة. وهي امتداد لتحولات أصبحت فيها الشركة الأخطبوط أقوى من الدولة اقتصاديا ونفوذا، والشركات الكونية تستخدم الدولة كبنية تحتية لتوسيع اعمالها داخل المجتمعات وتكديس أرباحها بحرية تامة. فضاعف الرأسمال الكوني ثروته على حساب الدول. وكان من نتائج ذلك إضعاف الدولة وانتقاص سيادتها وزعزعة الفكرة الديمقراطية. لقد انقضت الشركات والرأسمال والمؤسسات المالية على تركة الدولة وبهذا المعنى فقد أخضعت العولمة الدولة وضعضعت نظامها الديمقراطي وحولت أفكارها. 
اما في البلدان العربية المستبدة فقد اقترن التحول بتراجع مركزية الدولة ذات البناء الهش أساساً في حياة المجتمع وتحولها الى سلطة أمنية مخابراتية سرعان ما خضعت لعلاقات تبعية اقتصادية وسياسية. وفي ظل تسليمها بشروط البنك وصندوق النقد الدوليين وتراجعها ايضا عن ابسط اشكال الدعم للمواطنين، تقلصت هيبة وسيادة الدولة، وعاد المواطن إلى القبيلة التي لم تختف ولم تتلاش أو إلى الطائفة أو إلى الجامع والمؤسسة الدينية باعتبارها شبكة أمان للفرد في استلابه وفي انكسار مواطنته على عتبة مقرّات الأمن والمخابرات.
وجدت قوى الإسلام السياسي فرصتها في تقديم بديل للدولة الوطنية او القومية المنهزمة داخلياً وخارجياً، بسلطة دينية ما قبل الحداثة تحت مسمى دولة. وتباينت مواقف فصائل الإسلام السياسي، بين اتجاه السيطرة عبر صناديق الاقتراع وبخاصة ان لديه رصيداً من التحولات الاجتماعية الناجمة عن فساد النظام وتخلي الدولة وتراجعها عن تنمية المجتمع، وسلاح الأيديولوجيا الدينية التي تغلغلت من داخل البلدان ومن خارجها، ودعم انظمة البترودولار والرأسمال الخاص والعائلي في البلدان النفطية للتحولات الرجعية، كضمانة لقطع الطريق على اي تحول وتغيير ديمقراطي. لقد مثل هذا الاتجاه حركة الاخوان المسلمين في العديد من الدول العربية. اتجاه الجهاديين الاصوليين (الدواعش) بادر الى سيطرة بالقوة والى تطبيق صريح ومباشر "لدولة الخلافة" بأمرائها الجدد، وبأساليبها القديمة، بل لقد جرى استخراج كل ما مظلم ومستبد وظلامي واستبعاد وشطب كل عناصر الحضارة الإسلامية العريقة.
نحن إذن، بإزاء عولمة متوحشة ضعضعت الدولة من جهة، وأصولية متوحشة تولت مهمة تدمير ما تبقى من الدولة من الجهة الاخرى. 
إن الحلف الدولي الذي تشكل تحت مسمى الدفاع عن الدولة هو نفسه وبخاصة القوى النافذة فيه ساهمت في ضعضعة وتفكيك الدولة الوطنية، وهو الذي يغذي الحرب الشيعية السنية في العراق وافغانستان وسورية ولبنان واليمن. 
الحرب ضد "داعش" والإرهاب تدور حول من يسيطر على الدولة في صيغتها الجديدة. وفي كلا الحالين فإن أهداف الحلف وأهداف "داعش" تلتقي عند هدف إذابة الدولة في سلطة او سلطات مستبدة تابعة او سلطة داعشية مستبدة ومتوحشة. 
ولا تنطوي أهداف السلطتين على أي حل لمشكلات الشعوب ومعاناتها. على العكس من ذلك إن النظام المستبد الديكتاتوري التابع هي التي تنتج الأصولية وإرهابها. والأصولية والإرهاب يستدعيان التدخل الخارجي. انهما جزء من الأزمة المتفاقمة ولا يمكن ان يكونا جزءاً من الحل. 
هل حرب النظام المصري ضد الإرهاب في سيناء ومصر تختلف عن حرب التحالف الدولي ضد "داعش" في سورية والعراق وضد القاعدة في اليمن وأفغانستان؟ ثمة ما هو مشترك بين مصر والبلدان الأخرى في انتاج الظاهرة بفعل علاقات التبعية والتدهور الاقتصادي والفساد والاستبداد وانفصال مصالح المواطنين عن الدولة. هل يمكن ربط مصالح المواطنين بالدولة في ظل الوضع الجديد؟ هذا يعتمد على اعتماد برامج تنمية حقيقية، وعلى الديمقراطية التي تعاظم شراكة المواطنين في البناء وتصويب السياسات والنقد، وعلى استبدال ثقافة "داعش" أو الثقافة التي تنتجها، ثقافة الإقصاء والتعصب والانغلاق المتغلغلة داخل المجتمع والتي باتت أسلوب حياة لدى أكثرية مجتمعية، استبدال هذه الثقافة بثقافة التعدد والاختلاف والانفتاح على الحضارة الإنسانية وربط العلم بالحياة وبتطور المجتمع وفصله عن الدين. بمعزل عن تغيير في الأسباب التي تنتج الظاهرة داخل المجتمع المصري، فإن النجاح سيكون سطحيا وليس في العمق. ولأن الحلف الأميركي ضد إرهاب "داعش" لا يرغب ولا يريد معالجة الأسباب فقد اعترف خبراؤه بأن الحرب ستكون طويلة وغير مضمونة النتائج. ولان حكم الإخوان المسلمين سابقا ينتمي للثقافة والسياسات التي انتجت "داعش" فقد أبرمت صفقة مع تلك المجموعات إبان عهد مرسي قادت الى نوع من الهدوء. وأثناء الصراع على الحكم هددت بإعطاء ضوء اخضر لهذه المجموعات، وبعد سقوط حكم الإخوان صعدت المجموعات الأصولية حربها في سيناء والوادي والدلتا، ما يؤكد ان حزب الإخوان جزء من الازمة ومن صناعتها، ولم يمتلكوا يوما القدرة على الحل. هناك من يعتقد بأن الحل الأمني العسكري هو الحل الوحيد الممكن. إذا كان الحلف الأميركي العرمرم لا يستطيع الجزم بنجاعة الحسم العسكري، فلماذا يتحدث المستوى العسكري المصري عن حسم سريع؟. 
الحرب في سيناء تطرح تساؤلاً حول غض النظر الإسرائيلي عن تسلح وتحرك الأصوليين في سيناء! في الوقت الذي تحدث أقطاب حكومة نتنياهو وجنرالاتها ان خط الأمن الإسرائيلي هو الحدود الأردنية العراقية بعد سيطرة "داعش" على الموصل! هل هناك اتفاق مع الأصوليين حول عدم استخدام السلاح ضد إسرائيل؟ التساؤل الثاني: حول المشاركة الفلسطينية في العدوان، فأي جهة من الفلسطينيين متهمة بالمشاركة؟. في كل الأحوال الاتهام يستدعي التحقيق ووضع النقاط على الحروف.

كاريكاتـــــير