بقلم : لينا جزراوي
تتلفّت حولَك وتتصفّح الجريدة اليوميّة والمواقِع الاخبارية ، فتُصاب بحالة من القلق و الدّهشة، حالة تأخذك لمُستنقع واحِد عنوانه ( الموت)، أخبار مُتنوّعة معظمها يُتقِن شرح تفاصيل وأنواع الموت المُتربّص بحياة الانسان العربي وحياتك ، ولا تعود تهتمّ بطريقة الموت أو اسبابه ، فلا فرق ساعتها بين أن تموت بوجبة سامّة في أحد فنادِق البحر الميّت ، أو بصاروخ هاون في أحد أحياء دمشق ، أو بعبوّة ناسِفة في قرية لبنانيّة على الحدود ، لا يعود مُهمّا طريقة الموت ، الفكرة أنه يكفي أن تكون عربيّا لتموت مِيتة الحشرات فمن يهتمّ !!!
تُقرّر أن تخرج في نزهة صغيرة في مُحيط منزلك تلتمِسَ نسيم الصّباح لتُرطّب قلبك المُتيبّس من قلّة المشاعِر ولتتجرّع بِضع قطرات من النّدى تتعطِف بها عليك الطبيعة ، فتُرهبك لافتات مكتوب عليها عبارات تنبّهك من الموت ومن الحرق ومن النار ، عبارات تغتال ما تبقّى لديك من مُتعة تُعينك على الحياة لو لم تستغفِر ربّك ، عبارات وقّعها الله عندما قرّر أن يُعيّن له مندوبين على ناصيات الشّوارع .
وأنت تتصفّح الجريدة اليوميّة تكتشِف أن أكثر من نصف مليون انسان عربي قُتلوا بسبب مُعتقداتهم وايديولوجياتهم الفكرية والدينية ، ونصف مليون يموتون جوعا وبردا ، وما تبقّى يموتون ألما وخوفا وحسرةً ، و تُدرِك كم أنّك قريبٌ من الخطر تتلقى صفعاته و تركع له وتأكل مصنوعاته وتُردد خطاباته، ثمّ تضحك من ملء قلبك وأنت تكتشِف أن اليوم هو ذكرى (اليوم العالمي لمُكافحة الفقر ) بينما انسان من كل تسعة في العالم جَوعى ، وأنت يجب أن تتحدّث اليوم عن (الحقّ في الحياة) في احدى مُحاضراتك !!!!!
وتفاجئك احدى الصّفحات بخبر عن الجهود الطبيّة الهائِلة لمُكافحة الأوبئة والأمراض ، وتستغرِب لماذا يصرِفون كل هذه الأموال في الأبحاث الطبيّة ثم يصرِفون مليارات أخرى في اختراع أسلِحة تُبيدُ الانسان وتغتال حياته ، لماذا هذا الهدر الطّبي الذي لا داعِ له ، لماذا لا يتركوه يموت بسلام اليوم بدل أن يقتلوه غدا!!!
وأنت في غمرة دهشتك ، وغضبك ، وحِقدَك ،
تقرأ خبرا آخر في مكان ما من العالم عن ثرّي يوصي بثروته لقِطتّه الرقيقة ، ولمؤسّسة الرّفق بالحيوان التي تعتني بها وبزميلاتها وزُملائها من الحيوانات الأليفة ، ومع أنك تحبّ الحيوانات الا أنك تشعر بحقد خبيث يتخلل مسامك ، وتلوم نفسك الأمّارة بالسوء وتقول ربّما أن هذا نوعا مُتطوّراً من أنواع الانسانيّة لا يمكن لأشكالك أن تفهمه !!!!
ففي الوقت الذي مازلت تأمل فيه برفاه الانسان وتحلُم بتشييد مؤسسات للرّفق به ، تجاوزك هو بسنين فِكريّة وإنسانيّة وأصبح الرّفق بالحشرات من أهمّ أولوياته ، أنت تطمح بأن تشرِق عليك شمسا لا تسمع فيها ولا تقرأ عن آلاف الأطفال الذين ينامون يوميا دون عشاء، وهو يتظاهَر في بلاده تضامُنا مع حقوق الحمام المَهدورة ، أنت تقرأ يوميا عن آلاف البشرالذين تسقُط على رؤوسهِم قذائِف هاون وتؤجّل أحلامهم الى اشعار آخر ، وهو يجرحه أن لا تتوقّف سيارة من أجل أن تقطع الإوزّة الشارع ، أنت تنحصِر أولويّاتك بمؤسّسات تتبنى الرّفق بالانسان العربي، وهو يُشيّد فروعا لمؤسسات تتبنى الرّفق بالقِردَه قبل انقِراضها.
ثمّ تقرّر فجأة أن تتوقّف عن التصفّح ، وعن القراءة ، فيجب أن تعترِف أنك تنتمي لفصيل من الكائِنات أصبح أقرب الى الانقِراض منه الى الحياة ، وأن تلحظ كم أن أقدامنا موسّخة بالوحل وغارِقة في مستنقعات الجهل والتخلّف فتغرق في موجة جديدة من اللاجدوى ، وتقرّر أن تعود للنوم فربّما يحمِل لك الحُلم أفكارا أكثر انسانيّة من الواقِع .
























