بقلم: ريما كتانة نزال
مُروَّساً باسم "نون وزيتون"، تعيد المخرجة "امتياز دياب" انتاج قصص كنوز الأرض المسروقة، لتوفر إطلالة إنسانية على أوجاع الناس ومعاناتهم، تسهم في تفريغ أحمال الذاكرة المزدحمة بالحكايا..ومنذ بداية العرض الشيق لفيلم مختلف يتضح قلق "دياب" المسكونة بالخطاب الأخير لزعيم الهنود الحمر "سياتل"، في معرض إعلان هزيمته واستسلامه أمام المستعمر الأبيض، كاشفة عن قلق يستوطنها من مصير مشابه قد يكون بانتظار الفلسطينيين، بسبب تشابه السياق ورعب سرقة الأرض وقتل أصحابها.
في الوقت الذي يرفع فيه الزعيم الأحمر "سياتل" رايته البيضاء، فإنه يحذرهم من ذاكرة قبيلته التي ستبقى تحوم وتؤرق المستعمر الأبيض، لأن الأرض تغصّ بالموتى من أبناء قبيلته الحمر، الذين سيعودون ذات مرة إلى الأرض التي لا يتوقفون عن حبها وهم أموات، لأنهم ليسوا بلا حول أو قوة، قاذفاً بوجههم جملته الأخيرة:" ليس ثمة موت..ثمة فقط تبديل عوالم". وهي الجملة التي استعارها شاعرنا الراحل "محمود درويش" في قصيدته "الخطبة الأخيرة للهندي الأحمر"..
تأخذنا المخرجة منذ البداية نحو الإيحاءات والمقارنات، جاعلة قصة الهنود الحمر ترافق مراحل فيلمها المؤثر دون افتعال او استدرار العواطف، بل تمر دون استئذان؛ كنتيجة طبيعية لعمليات الاحتلال وسياساته العنصرية عن طريق القتل والتهجير وإغلاق أوجه العيش، للاستيلاء على الأرض، ليبرز التساؤل المنطقي: ما الذي يمنع أن يتحول الفلسطيني إلى قضية منسية أو منتهية..
مع خطاب "سياتل" الذي يعلن الهزيمة والاستسلام، يبدأ فتح دمية "البتريوشكا" الفلسطينية، ويظهر بطل الفيلم الراوي "مراد سليم" الذي يتجول بسيارته الخضراء العتيقة مع أفلامه بين القرى والمدن والمخيمات، داعياً من تبقى من سكان القرية المهجورة، إحضار مقاعدهم إلى ساحة البلد لمشاهدة عروضه السينمائية.
يبدأ الراوي تجواله من قرية "يانون" التي صادَر الاحتلال ثلثي أراضيها، فيعلِّق شاشته وسط ذعر المواطنين وجلّهم من الأطفال والنساء والمسنين، خشية من سحب التنسيق الذي حصلوا عليه لقطف زيتونهم، لكنهم يحملون مخاوفهم مع مقاعدهم في موعد المغامرة، ليشاهدوا فيلما عن مأساة "كفر قاسم" في مشهد خرافي من أمسيات البلدة الملعونة.
تتنقل صور المعاناة والأمل بالسيارة المتجولة، لتحط رحالها في مخيم "عقبة جبر"، ليشاهد أهل المخيم صورهم وروايتهم الإنسانية والحزينة والمضحكة المبكية، في قوالب الحب والرغبة بالحياة والتمسك بالأرض في نون النكبة والنكسة ونون فلسطين، مظهراً انعكاس وحشية الاحتلال وتجرده من إنسانيته على صفحة الشاشة المتنقلة.
وفي العرض الثالث، يترجل الراوي من سيارته لينصب شاشته في ساحة قرية "بيت مرسم" النائمة بالقرب من مدينة الخليل، بعد مروره في كنائس بيت لحم والمرور بوادي النار مواسية الكنائس المحاصرة، لرواية قصة تهجير أهل "بيت مرسم" وتدمير قريتهم، التي شهدت معركة حامية بين الجيش الأردني والعصابات الصهيونية، حيث تبدو أطماع الاحتلال بالقرية واضحة في تدميرها وسرقة آثارها القديمة النادرة، من خلال سرد يمزج الحزن بالطرافة في جو ساحر، مستنشقا رائحة الرماد وحُطام الحرب، في مكان لا زالت رائحة الموت فيه تسكن جنباته.
وفي جولته السينمائية نصل مع "مراد" إلى "مسحة" ليعرض فيلمه على عائلة "هاني عامر" المسجونة وحدها خلف الجدار الحديدي، كأحد نماذج العزل والإقصاء العنصريين. ولدى فتح بوابة المعازل بالمفاتيح الغليظة، لا يمكن إلا أن تنتصب أمامك مخاوف الزعيم الهندي "سياتل" وخطابه الأخير.
لقد أرادت "امتياز دياب" في فيلمها الشاعري الجميل، أن تعرض الفلسطيني بصورته الإنسانية، البسيطة والطيبة. لتتعرف على بيوت ضمت جدرانها ذات مرة الأهل والأحباب، بيوت لا زالت تنبعث من شقوقها الضحكات، وصخور تحمي القصص والدبكات من التلف، جدران تتناوب ترديد صدى الصراخ، على الرغم من انخماد أنفاس البيوت وهروب الحرارة منها، فمن فرط الوفاء دأبت على رواية حكايتها وتلاوة أهوال شهدتها..
إنها حكاية فيلم "نون وزيتون"، فيلم بسيط وجميل يمر بسلاسة وعمق تاركاً أثراً ابتغاه، يدفع على التأمل على ما وراء الفيلم، سرّه غير مكشوف، سر حرف النون وجمالياته ودخوله في لعبة التناقضات، حيث يرقص على النهايات، ويتلوّى أمام الانكسار والانتصار، وينبهر في النار والنهار، وينتظر أمام السجن والصحن والبن، يتوسط نون النساء والنضال، ويصلي لنون الدين والتين والزيتون.. لأنه ينشد وينشج على نون النبي يونس.
























