شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 30 سبتمبر 2026م21:27 بتوقيت القدس

حقائق غير جديدة

04 اكتوبر 2014 - 18:51
شبكة نوى، فلسطينيات:

بقلم: وليد أبو بكر

لا مفرّ لنا، في هذا الزمن المأزق، من موقف نهائيّ وحاسم تجاه التعامل مع احتلال بلادنا، مهما صعب هذا الموقف، الذي أجلناه في الواقع طويلا جدا: لقد بدأنا التفاوض الخفيّ في أوسلو، وفرحنا بنتائجه، مع أن الموافقة هناك تمت على تأجيل القضايا المهمة، رغم معرفتنا الواسعة والمسبقة بطبيعة الصهيونية وإسرائيل، وقناعتنا أن الثقة فيها لا تختلف في شيء عن التعلق بحبال الهواء. 
هذا ما أكدته التجربة المرّة، فإسرائيل منذ فرضت على أرضنا العربية، غير معنية بأن تعني ما تقول، وطبعها الأول هو المماطلة والتملص، والتفاوض حول التفاوض، وتمديد الوقت، واستثماره، بهدف التخلي عن كل ما سبق أن تعهدت به، هروبا من ضغط، أو من مأزق، مع تجاهل تام لجميع القرارات الدولية، حتى ما هو ملزم منها، ما يطرح السؤال القديم، الذي يظلّ متجددا أيضا: هل هناك منطق في أن تمنح ثقة من أي نوع، تجاه تنفيذ ما توقع عليه، مع قوة ضعيفة، تخضع لاحتلال لا يبذل العالم جهده كي يزول؟
كان الذين اختاروا ذلك الطريق الطويل، يظنون أنه لم يعد أمامهم خيار آخر، خصوصا بعد الخروج من بيروت. وكانت شدة "ضغط" الزمن عليهم، وعالم ذلك الزمن، مبرّرهم للقبول بما لم يخلق قناعة بأنه حلّ حقيقي. وكان رهانهم على أن الزمن سيكون سلاحا، وأن "خطوة صغيرة على الأرض" خير من البقاء بعيدا. 
لكن هذه الخطوة الصغيرة، التي "فرّخت" أملا كبيرا عند الذين هرولوا، كانت سببا في تجميد الصراع الذي وصل قمته في الانتفاضة الأولى، انتفاضة الشعب الحقيقية، وبذلك وضعت الزمن سلاحا في يد الاحتلال، فشرع في تنفيذ استيطانه وفي توسيعه، حتى يسمح لحكامه بعد ذلك بأن يتحدثوا عن "حقائق جديدة فوق الأرض"، لا يمكن إلغاؤها، وسمح للمصفقين لتوجهات هؤلاء الحكام، من ممثلي إسرائيل الكبرى، الذي يسيّرون كل سياستها الآن، بأن يزعموا أنهم ليسوا احتلالا، وبأن الأرض كلها لهم، وبأنهم "يتكرّمون" على أهلها حين يسمحون لهم بالبقاء فيها.
كل هذا السلوك على الأرض، الذي كرّسته خطبة نتنياهو "التعليمية" في الأمم المتحدة، لا يعني أكثر من شيء واحد: كانت أوسلو خدعة، مثل كلّ الخدع التي مارسها الاحتلال، لكسب الوقت: منذ إعلان الموافقة على التقسيم، حتى الهدنة التي زحف خلالها على ضعف ما كان تحت يديه، أمام العالم الذي وضع له حدودا في قراراته، لم يلزمه بها، ووضع حدودا لما نستطيع أن نقوم به، أصرّ على أن ننفذها، حتى جميع حروبه "الدفاعية" الكثيرة التي لم تشأ لأي جزء من الوطن العربي أن ينهض.
كانت الخدعة واضحة منذ بدأت مماطلة التنفيذ. وكان الجميع يدركها، وربما لم يكن أمامنا أن نتخلى عن الأمل، وعن التطلع إلى أن يتغير شيء، في الاحتلال، أو في العالم. لكن عشرين عاما من الأمل الخائب، لم تغير شيئا لصالحنا. كل الذي حصل، بخلاف وهم الدولة الذي يعيشه بعضنا وكأنه حقيقة، كان يهدف إلى تكريس الاحتلال، بتوسيع الاستيطان، وتهويد القدس، حتى لا يبقى أمل في حلّ الدولتين، الظالم من أساسه.
من قبل، كان السيل قد بلغ الزبى وفاض، كما يقولون، ولم يكن مناص من أن يجيء وقت التعبير البليغ عن هذا الموقف، الذي يمثل كل حلم وكلّ من يحلم بأن يزول الاحتلال، سلما أو مقاومة. كان من حقّ قيادتنا أن تقول كلمتنا الفاصلة أمام العالم، لأنها موجودة كحقيقة: لقد سئم من الألاعيب الإسرائيلية، كل من آمن بالسلام، وكل من تطلع إليه، وكل من عمل من أجله، وكلّ من لم يؤمن منذ البداية، ومن لم يعمل، لأن تلك الألاعيب تؤكد أن التوجه إلى السلام لا يشكل بندا في أجندة الحكومات الإسرائيلية، ولأن كل حديث عنه، خصوصا في زمن اليمين الحاكم، ليس أكثر من هواء، يتيح للاحتلال فرصة للتنفس، وللتمدد.
ومن يملك ذاكرة تجاه كل ما جرى، منذ أوسلو، يمكنه أن يرتب تلك الألاعيب المتصاعدة، بخلق المبررات أول الأمر، لمزيد من الخداع، ثمّ بوضوح مباشر زمن اليمين الحالي، الذي لا يرى في العالم رأيا يستحقّ أن يستمع إليه، ولا يجد في هذا العالم من يقول له: تلك هي حدودك.
من حقنا أن نقول كلمتنا واضحة جارحة، ومن حقنا بعد ذلك أن نصمد معها، ولها، وألا نعود إلى سياسة تنفي ما أثبتناه أخيرا، حول طريق لا جدوى فيه. لقد استنفدت كل الطرق التي تشكل عناصر التوجه إلى السلام، وقادت كلها إلى مزيد من الاحتلال، والبطش، وإلى مذابح حقيقية للناس، يجب أن نستمرّ في تسميتها باسمها. وقد شققنا طريقا تأخرنا في الوصول إليه، ونتمنى ألا نتوقف قبل أن نصل إلى آخره، وأن نراهن على سلاح حقيقي اسمه الزمن، نستثمره لصالحنا، إذا أحسنا التعامل معه، كما أحسن أسلافنا التعامل مع كل احتلال سابق لهذه الأرض، حتى أنهوه، لأن الخسارة في أي طريق غير الذي وصلنا إليه بعد طول تأجيل، لن تكون إلا مزيدا من الخضوع للاحتلال وأحابيله.

كاريكاتـــــير